الصفحة 6 من 21

فتلاحظون أن الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - كان واعيًا بطبيعة القوة التي أمرنا الله عز وجل بها، وأنها تشمل كل ما يؤثر في حياة الناس إقدامًا وإحجامًا، قَبولًا ورفضًا، ومما يدخل في ذلك بلا شك طبيعة الأفكار التي يحملها الناس في عقولهم.

فنحن في الحقيقة نعيش في زمنٍ استثنائي من عدد من الجهات ومنها: أنه زمنٌ معقدٌ غاية التعقيد، ومن أقوى أسباب التعقيد التداخل بين المصالح والمفاسد في هذا الزمن، فإذا حدثت مشكلة اقتصادية في أمريكا - مثلًا - يتضرر بها الاقتصاد في اليابان، وتلاحظون الفرق الكبير، والمساحة الواسعة والشاسعة بين أمريكا وبين اليابان، ومع ذلك أيُّ مشكلةٍ اقتصادية تحصل في أمريكا سيتضرر منها الاقتصاد الياباني بل اقتصاد العالم كُلُّه، وإذا وقعت حربٌ في روسيا فسيتضرر بها اقتصاد عددٌ كبير من البلدان، فنحن إذًا نعيش حالةً من التداخل في هذا العالم المعاصر فأصبح عالمًا معقدًا.

ومن المؤشرات التي تدلُّ على التعقد المعاصر طبيعة الحروب العسكرية في وقتنا، فقد كانت الحروب في الزمان القديم تكون بين دولة أو دولتين أو ثلاث أو أربع، لكنَّ الحروب في هذا العصر لم تعد بين دولتين أو ثلاث أو أربع، وإنما تكون بين كيانات دولية تنضم تحتها عشرات الدول، فلا يتصور أن هناك دولتان تتصارعان وتنتهي الحرب بينهما من غير أن يتدخل العالم أو من غير أن يتأثر العالم، بل أصبحت الحروب في هذا العصر حروبًا معقدة ومتداخلة لأنها باتت بين كيانات وليست حروب بين دول.

وكذلك - مثلًا - التغير في العلاقات الدولية، العلاقات الدولية في العهود والمواثيق وغير ذلك كانت في الزمان القديم مواثيق بسيطة ومُفردة وربما يكون الميثاق في قضية أسرى فقط، أو في قضيةٍ اقتصادية أو تجارية، أما الآن فطبيعة العهود والمواثيق بين الدول أضحت معقدة غاية التعقيد، وأضحت مركبة بشكل كبير تتداخل فيها عدد من المجالات وليس مجالًا واحدًا، فطبيعة العلاقات الدولية الآن ليست مثل طبيعة العلاقات الدولية في الزمان القديم، وهذا التعقد يدعونا إلى أن نهتم بتكوين العقلية الواعية التي تُحسن التعامل مع هذا الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت