فالإنسان كما تعلمون حيوانٌ مُفكر، فالذي يُحرِّكُه في كثيرٍ من أعماله الاختيارية الإرادة والذكاء، ولهذا كانت الأفكار من أكثر ما يؤثر في حياة الناس، والحالة الفكرية التي تعيشها المجتمعات هي من أعمق ما يُغير من حالتها الحضارية والمعيشية.
يقول مالك بن نبي - رحمه الله: (إن تنظيم المجتمع وحياته وحركته بل فوضاه وخموده وركونه كلُّ هذه الأمور ذات علاقةٍ وظيفيةٍ بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك المجتمع، فإذا ما تغير هذا النظام بطريقةٍ أو بأخرى، فإن جميع خصائص المجتمع الأخرى تتعدد في الاتجاه نفسه)
فهو يؤكد على أن التصرفات التي تقع في حياة الناس إنما هي في كثيرٍ منها أو في أصلها نتيجة طبيعة الأفكار التي يحملونها في عقولهم، فإذا أردتَ أن تغير من سلوك رجلٍ أو شخصٍ ما فغيِّر من طبيعة الأفكار التي يحملها في عقله، وإذا ما أردت أن ترتقي بسلوك مجتمعٍ ما فاسعى إلى تغيير الأفكار المسيطرة على أفراد ذلك المجتمع.
فالأفكار هي التي تؤدي إلى ارتقاء المجتمعات وهي التي تؤدي إلى انحطاط المجتمعات.
بل الغريب أن الأفكار لا تؤثر في سلوك الناس وأعمالهم فقط، بل تؤثر حتى في صحتهم، فكثيرٌ من الأمراض سببها تصوراتٌ وهمية يحملها الإنسان في صدره، وكثيرٌ من حالات الشفاء من الأمراض هي نتيجة تصورات يحملها الإنسان في عقله.
ومن أغرب الشواهد على ذلك: قصة الضباط الثلاثة في جيش هتلر، فإنهم خالفوا أمره، وقال: لأعذبنهم عذابًا لم يسبقه أحدٌ إليهم من قبل، فأتى بهؤلاء الجنود الثلاثة ووضع كلَّ واحدٍ منهما في سجنٍ انفرادي، وقال له: إن في هذا السجن سمٌ سيقتلك بعد ستِّ ساعات، ووضع كل ضابطٍ في السجن وأعطاه هذه المعلومة، ثم جاءهم بعد ستِّ ساعات وفتح باب السجن الانفرادي فوجد اثنين من الضباط ماتوا ولقوا حتفهم، والضابط الثالث في الرمق الأخير ومات بعد لحظات.
الغريب أن السجن ليس فيه سمٌ، وأن هذه المعلومة التي أعطاهم إياها هتلر كانت معلومة كاذبة، ومع ذلك مات أولئك النفر بسبب التوهمات التي حملوها والتي عاشوها لمدة ستِّ ساعات فقط، هذا شاهدٌ ظريف يُبيِّن لنا خطورة الأفكار التي يحملها الناس في عقولهم، فالأفكار التي يحملها الناس في عقولهم تؤثر في سلوكهم، وربما تؤثر في صحتهم وفي معاشهم وفي علاقتهم مع الناس.
إذًا نحن نتحدث عن موضوع في غاية الخطورة، وإذا اهتممنا بالجانب الفكري الذي يحمله الإنسان في عقله، فنحن في الحقيقة نهتم بأمرٍ عظيم سيؤثر بمجريات حياة الإنسان والناس في معاشهم.
وهذا المعنى قد أشار إليه القرآن، فقد أشار إلى محورية ما يحمله الناس في عقولهم كم في قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ] الرعد:11 [