أمثال هؤلاء على أنهم كانوا يفتون على المذاهب من باب الإيمان والتسليم من غير أن يعرف مستندات أصحابها فيها ومدارك أقوالهم بعيدًا جدًا على مقامهم، وكذلك القول فيمن اختار غير ما نص عليه أمامه، يحتمل أنه إنما اختاره لاطلاعه على اتصال ذلك القول بعين الشريعة المطهرة كما اتصل بها قول إمامه على حد سواء كالإمام زفر وأبي يوسف وأشهب وابن القاسم وغيرهم من أتباع المجتهدين، ويحتمل أن كل من أفتى واختار غير قول إمامه لم يطَّلع على أدلة إمامه وإنما أفتى لاعتقاده صحة قول ذلك الإمام الآخر في الأمر فعُلِمَ أن كل مقلد اطلع على عين الشريعة لا يؤمر بالتقييد بمذهب واحد لأنه يرى اتصال أقوال الأئمة كلها صحيحها وضعيفها بعين الشريعة الكبرى المرتبة التي يقيدها من تخفيف أو تشديد، وربما لزم المذهب الأحوط في الدين مبالغة منه في طاعة الله تعالى من باب التطوع كما في قوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ َ} [البقرة: 184] ، وإلى نحو ما ذكرنا أشار الإمام أبو حنيفة بقوله: (ما جاء عن رسول الله بأبي هو وأمي فعلى الرأس والعين وما جاء عن أصحابه تخيرنا وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال) [1] .
ففي ذلك إشارة إلى أن للعبد أن يختار من المذاهب ما شاء من غير وجوب ذلك عليه إذا كان من أهل ذلك المقام.
وكان علي الخواض يقول إذا سأله أحد عن التقييد بمذهب معين هل هو واجب أم لا يقول له: (يجب عليك التقيد بمذهب مادمت في حاجة إلى شهود عين
(1) انظر المسودة 1/ 299 - 302، الجامع الصغير 1/ 34.