والمقصودُ أنَّاللهَ أَمَرَ رَسُولَهُ بالصَّبر والحِلْمِ والاستمرار في الدَّعوة؛ {فاصبر} يا محمَّدُ لِمَا حَكَمَ به ربُّك وقضاه، وقدَّره عليك.
وَمِنْ ذلك إمهالُهم، وتأخيرُ نُصْرَتِكَ عليهم، إمَّا لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وإقامة الحجَّة عليهم، وإمَّا ليتوبوا.
-فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ:
هذا يُوجِبُ على المسلم أن يَخَافَ كَثِيرًا إذا خالط أهلَ الباطل، مِنَ المَيْلِ عن الحقِّ، وعن الحكم الشَّرعيِّ؛ فقد يَرْكَنُ إليهم شيئًا قليلًا، ويترك الصَّبر على دين الله، والصَّبر على شرع الله، فلا يَتَنَازَلْ عنه.
وقد عاتب اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه كاد يَرْكَنُ إليهم شيئًا قليلًا، لولا أن تداركه اللهُ.
وَمِنْ هنا يتبيَّن لنا أنَّالَّذين تنازلوا عن الحقِّ، دخلوا مع أهل الباطل في حواراتٍ، إمَّا فِكْرِيَّةٍ، أو دينيَّةٍ، وظنُّوا أنَّفي ذلك مَصْلَحَةً، لكن ليست المصلحةُ أن يصلح النَّاس، إنَّما المصلحةُ سَلامَةُ المنهج، وأن توافق الحُكْمَ الشَّرعيَّ في صلاح النَّاس.
نُوحٌ مَكَثَ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عامًا ومع ذلك صَبَرَ على حكم الله الشَّرعيِّ، ونبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ساومه الكفَّارُ على دعوته، فَصَبَرَ على حُكْمِ الله.
فلا مُدَاهَنَةَ مع أهل الباطل في الحقِّ الواضح؛ فهم يَوَدُّونَ لو تُرِكَ بَعْضُ الحقِّ؛ لأنَّ فيه انتصارًا لهم.
قوله: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} .
بَيَّنَ اللهُ مِنَّتَهُ على رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ الله حَافِظُهُ مِنْ فِتْنَةِ أعدائه؛ فإنَّك بِمَرْأى مِنَّا، وَتَحْتَ حمايتنا.
فَمَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَمَكْرِهِمْ وكيدهم ما استطاعوا أن ينالوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا.
جَمْعُ الأَعْيُنِ ليس معناه أنَّلله أَكْثَرَ من عَيْنَيْنِ، لكنَّ جَمْعَهَا لأنَّ القاعدةَ اللُّغويَّةَ أنَّالمثنَّى إذا دخل في اللُّغة على ضَمِيرِ الجمع فالأفصحُ الجمعُ.
ويؤيِّده ما وَرَدَ في الحديث: «إِنَّهُأَعْوَرُ- أي الدَّجَّالَ - وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» . أبوداوود و ابن ماجة و ابن خزيمة صحيح الجامع، والأعورُ هو فاقدُ أَحَدِ العَيْنَيْنِ.
قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} .
التَّسبيحُ هو تنزيهُ الله عن النَّقائص في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وشرعه وَقَدَرِهِ.
وإذا اجتمع التَّسْبِيحُ مع الحَمْدِ، صارا أَعْظَمَ كمالًا في الثَّناء؛ لأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهُ اللهِ عن النَّقائصِ، والحَمْدَ إِثْبَاتُ الكمالات لله في ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وأسمائه وأفعاله وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.
لذلك صَارَ أَعْظَمَ الكلامِ «سُبْحَانَ اللهِ والحمدُ لله ولا إلهَ إلاَّ اللهُ واللهُأَكْبَرُ» فَكَانَ هذا أَحَبَّ الكلامِ إلى اللهِ.
وإذا أضاف إليها «لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله» صارت من الباقيات الصَّالحات.
ومِنْ هنا «سبحان الله وبحمده» أَعْظَمُ وأفضلُ في الثَّناء من «سبحان الله» وَحْدَهَا.
والمقصود أي: اسْتَعِنْ على ما أَنْتَ فيه من الضِّيق بشيئين؛ بالصَّبْرِ، والذِّكْرِ.
وهذا إِرْشَادٌ من الله لكلِّ مُسْلِمٍ إذا وَقَعَ في شِدَّةٍ أَوْ كَيْدِ عَدُوٍّ أن يَصْبِرَ، وَيَشْتَغِلَ بِذِكْرِ الله.
قوله: {حين تقوم} فيها ثلاثة أقوال:
وهذا كلُّه رَاجِعٌ إلى فَهْمِ قَاعِدَةٍ؛ أنَّالألفاظَ المُجْمَلَةَ في القرآن الَّتي لا يَتَّضِحُ المُرَادُ منها وجاءت في الأمر والنَّهْيِ، فإنَّه يُرْجَعُ فيها إلى السُّنَّةِ؛ لأنَّها هي الَّتي تُبَيِّنُ مُجْمَلَ القرآن.
وأيضًا خلافاتُ المفسِّرين في تفسير القرآن يرجع إمَّا إلى دلالاتِ القرآن مختلفةً، وإمَّا يرجع إلى دلالات السُّنَّة مختلفةً، وإمَّا يرجع إلى دلالات اللُّغة مختلفةً.
وهنا فسِّر {حين تقوم} بالرُّجوع إلى السُّنَّة؛ ففسِّر {حين تقوم} بأنَّ المُرَادَ به كفَّارةُ المجلس.
وقيل: «المرادُ القِيَامُ من اللَّيل» . وقيل: «القيام إلى الصَّلاة» .