الثاني: الكثير من العلوم التقنية الصناعية كذلك، فتأملها. الثالث: هل تأملتَ أن المسلمين في عز حضارتهم"الإسلامية""الإيمانية"وعز قوتهم وتمكنهم في الأرض وتحقيقهم للاستخلاف، لم يهتموا كثيرا بمثل هذه الأشياء، وإنما أعدوا العدة لعدوهم في حدود الاستطاعة المعتادة وفي حدود الاعتدال دونَ مشاقّة أو دخولٍ في عنتٍ شديد، أو حرصٍ دقيقٍ جدًا (لأن ذلك غير ممكن مع مطالب العبادة والإيمان .... ) كما قلتُ، خذ على سبيل المثال زمن الخلفاء الراشدين وبالذات زمن عمر وزمن عثمان رضي الله عنهما. بل تأمل الزمن والعهد النبويّ الكريم ماذا تجدُ فيه من هذا الباب، لا تجد إلا ما ذكرتُه لك إن شاء الله، أعني من الاعتدال والاقتصاد و"أعدوا لهم ما استطعتم"أي في حدود الاستطاعة المعتادة .... إلخ ما شرحتها، فمثلا هل وجدتَ في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية أنه فتح المصانعَ والمشاغل والمعامل وأرسل البعوث من الطلبة لتعلم هذه الفنون واستجلب الخبراء من الأمم مثلا أو ترجم الكتبَ ورصد مراكز البحوث ... أو نحو ذلك؟! أعلمُ أنه يمكن أن يُعترَض على هذا ببعض الاعتراضات، وعندي الجواب عليها، ولكن المقام مقام اختصارٍ، وحثّ على التأمل .. وأزيدُك مجالا آخر للتأمل: هل تأملت أن كل من برعوا في جنس هذه الفنون الإنسانية الصناعية والتقنية ممن ينتسب إلى الملة الإسلامية في بعض عصورها المتقدمة (عصر الدولة العباسية) كانوا من قليلي الدين بل لعل أكثرهم ممن رمي بالزندقة والإلحاد، وبعضهم لا شك في كفره وإلحاده .. !؟
والمقصود أن الحث على الأخذ بأسباب القوة مقيّدٌ بالمفهوم الذي شرحته، ولا شك أن أسباب الغلبة على العدو والتمكين في الأرض معظمها هو القوة المعنوية: التوحيد وعبادة الله تعالى والإيمان والتقوى والأمانة والعمل الصالح، والتمسك على الجملة بهذا النور والهدى الذي عندنا مما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم وما يتضمنه من