فصل: توقير الأمير:
إن من الأمور التي يجب أن يدركها أخو الجهاد، العازم على إعادة صرح الخلافة الراشدة، والذي ارتضى لنفسه أن يكون لبنة مباركة في بناء الجماعة المسلمة التي تعمل على إقامة المجتمع المسلم، أن الأمير هو ظل الله في الأرض، وأن إكرام الأمير وتوقيره وتبجيله والدعاء له بالخير، أمرٌ محمود بل جاءت الأحاديث النبوية تحث عليه وتأمر به، فقد روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك أنه قال: قتل رجل من حمير رجلًا من العدو، فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد رضي الله عنه وكان واليًا عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله، قال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضب، فقال: لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي إبلًا أو غنمًا فرعاها، ثم تحين سقيها فأوردها حوضًا، فشربت صَفوه، وتركت كدره، فَصفوهُ لكم وكدره عليهم.
في هذا الحديث دلالة واضحة على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لأمرائه، وأنه لا يرضى بحال من الأحوال أن يهان أميره أو يزدرى، وتأمل كيف استطاب النبي صلى الله عليه وسلم قلب أميره خالد، وذلك للمصلحة في إكرام الأمراء كما ذكر ذلك النووي في شرحه هذا الحديث.
وأضاف رحمه الله في معنى هذا الحديث: إن الرعية يأخذون صفو الأمور، فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتبتلى الولاة بمقاساة الأمور، وجمع الأموال على وجوهها، وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية والشفقة عليهم والذب عنهم، وإنصاف بعضهم