فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 288

فصل: فعلى النافر يبغي نصرة دين الله أن يتفطن لهذه الحقيقة، ويعلم أن النصر ليس هو النصر العسكري فحسب، ولا الظفر بمعركة أو معركتين أو حتى ثلاث، وإنه من الإجحاف بمكان أن نختزل النصر في ذلك، إن النصر الحقيقي هو انتصار المبدأ الذي من أجله قاتلت، ولتحقيقه نفرت، فبلال رضي الله عنه انتصر على جلاد الجاهلية بكلمة واحد هي أحدٌ أحد، وآل ياسر رضي الله عنهم كذلك، إن الهزيمة الحقيقية هي هزيمة الفكرة التي تحملها، هي التراجع عن العقيدة التي كلفك الله بتبليغها للناس، هي التخلي عن المبدأ الذي من أجله جاهدت، هذه هي الهزيمة الحقيقية، أما ما دمت صابرًا في الطريق، رافعًا الراية، قابضًا على الصمصام، مستعليًا على الباطل المتبجح بالسوء، فأنت منتصر، وأنت الظافر، لأن العدو أقصى ما يرجو هو التخلي عن المبدأ، والتسليم له والخنوع بين يديه، فتفطن لذلك.

ولقد قصَّ علينا العليم الخبير في كتابه الكريم، بعضًا من قصص أُولئك النفر، الذين هدى الله، وكيف انتصرت عقائدهم، وسمت مبادئهم ورحلت أرواحهم، واحترقت أجسادهم دون عقيدتهم، ولم يحفلوا بالنصر الجسدي، ففي مشهد باهر يستحوذ على القلب بجماله وبهائه، صور العلي القدير في قصة أصحاب الأخدود كيف انتصرت العقيدة، وسمت في سماء المجد الخالد، وكيف ارتقت تلك الأرواح الطاهرة، وعلت كل شيء باذلة النفس والنفيس، والغالي والرخيص، ناصرةً توحيدها وموقنة بموعود ربها، راغبة بمآلها الكريم، وقد نزلت ضيفًا كريمًا على مائدة أرحم الراحمين، بعد أن جادت بمهجها رخيصةً، وألقت بأجسادها في أخاديد الجاهلية الطاغية، مؤثرةً عقيدتها على المتاع الدنيوي الرخيص، لترحل عن هذه البسيطة وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت