وكانت زوجته بنت عمه، وكان قد تزوجها بأجنادين، وكانت قريبة العهد من العرس ولم يكن الخضاب ذهب من يدها، ولا العطر من رأسها، وكانت من المترجلات البازلات من أهل بيت الشجاعة والبراعة، فلما سمعت بموت بعلها أتته تتعثر في أذيالها إلى أن وقعت عليه، فلما نظرته صبرت واحتسبت، ولم يسمع منها غير قولها هنئت بما أعطيت ومضيت إلى جوار ربك الذي جمع بيننا ثم فرَّق، ولأجهدن حتى ألحق بك فإني لمتشوقة إليك، حرام علي أن يمسني بعدك أحد وإني قد حبست نفسي في سبيل الله عسى أن ألحق بك وأرجو أن يكون ذلك عاجلًا!
ثم حفر له ودفن مكانه فقبره معروف، وصلى عليه خالد بن الوليد، فلما غيب في التراب لم تقف على قبره دون أن أتت إلى سلاحه ولحقت الجيش من غير أن تعلم خالدًا بذلك، وقالت: على أي باب قتل بعلي؟ فقيل لها: على باب توما والذي قتله هو صهر الملك! فسارت إلى أصحاب شرحبيل بن حسنة فاختلطت بهم، وقاتلت مع الناس قتالًا لم ير مثله، وكانت أرمى الناس بالنبل، وكان قد جعل لها قوس وكنانة. قال شرحبيل بن حسنة: رأيت يوم حصار دمشق رجلًا على باب توما يحمل الصليب وهو أمام توما، وهو يشير إليه"اللهم انصر هذا الصليب ومن لاذ به، اللهم أظهر له نصرته وأعل درجته"وأنا أنظر إليه إذ رمته زوجة أبان بنبلة فلم تخطئ رميتها، وإذا بالصليب قد سقط من يده وهوى إلينا وكأني أنظر لمعان الجوهر من جوانبه فما فينا إلا من بادر إليه ليأخذه وقد استتر بالدرق وتزاحم بعضنا على بعض كل منا يسبق إليه ليأخذه، ونظر عدو الله توما إلى ذلك من تنكس الصليب الأعظم وإهوائه إلى المسلمين، فعند ذلك كفر وعظم عليه الأمر، وقال: يبلغ الملك أن الصليب الأعظم أخذ مني وملكته العرب، لا كان ذلك أبدًا ثم إنه حزم وسطه وأخذ سيفه، وقال: من شاء منكم فليتبعني ومن شاء فليقعد فلابد لي من القوم عسى أن أشفي صدري، ثم انحدر مسرعًا وأمر بفتح الباب، وكان هو أول مبادر. فلما نظرت الروم إلى ذلك لم يكن فيهم إلا من انحدر في أثره لما يعلمون من شجاعته وخرجوا كالجراد المنتشر.
هذا والمسلمون محيطون بالصليب، فلما خرج الروم ووقع صياحهم حذر الناس بعضهم بعضًا، فلما نظر المسلمون إلى الروم سلموا الصليب إلى شرحبيل بن حسنة وانفردوا لأعدائهم وحملوا في أعراضهم وأخذهم النشاب والحجارة ومن كل مكان من أعلى الباب،