ثم قال: اعلم أيها الأمير أن تحت يده معاقل كثيرة، وربما رحَّل ركابه من هنا فوقع بهذه البلاد وشن الغارات على أهلها، ومن الرأي أنك لو وجهت إليه جيشًا لعل الله أن يفتح عليك، فإن أنت فتحت هذا الحصن مضيت حيث تريد وتكون طيب القلب على من تستخلفه من أصحابك. فقال عياض لأصحابه: ما تقولون فيما تكلم به هذا الرجل؟ فقال خالد: لقد تكلم بالحق ونطق بالصدق فاعزم وتوكل على الله! ثم انصرفوا من عنده وبات ليلته متفكرًا فيمن ينفذه إلى الحصن فوقع اختياره على"يوقنَّا"فدعاه وقال له: يا عبد الله! قد اتفق الرأي عليك أن تمضي إلى الحصن فما الذي تراه؟ فقال"يوقنَّا": أصلح الله الأمير قد بلغني أن الحصن منيع، وربما إذا نزلنا عليه طال الأمر وتنفد المدة وينقضي هذا الوقت ولا ندري ما يكون، ولكن أهب نفسي لله ولرسوله وآخذ مائة من بني عمي ونتزيا بزي الفلاحين ونأخذ نساءنا وأولادنا نتركهم على البقر وندخل في جملة أهل البلاد من الفلاحين، فإن حصلنا داخل الحصن نملكه إن شاء الله تعالى. فقال عياض: يا عبد الله قد اشتهر أمرك عند جميع أهل النصرانية ونخاف أن تسير فتغرر بنفسك ومن معك فيقبض عليكم والله تعالى يقول:"وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"! قال: في ذا أبيت فائذن لي أن أشن الغارات على بلاد القوم. قال: قد أذنت لك. فخرج"يوقنَّا"ومن معه وهم ألف من قومه وساروا على أرزن وسرد وأسعرد وياباسا وحيزان والمعدن.
قال الواقدي: وكان من قضاء الله وقدره أن صاحب أسعرد وحيزان والمعدن وياتحلسا ويمهرد وطراجر وسلواس كان بينه وبين"يطالقون بن كنعان"حربًا، وكان يغير بعضهم على بعض وأخربوا المملكتين، فلما انتشرت الأخبار بقدوم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنهم على ميافارقين جفل أهل تلك البلاد، وعلم بذلك"حرسلو"صاحب أسعرد وأن لا طاقة له بالعرب فأخذ هدية سنية وذهب بنفسه ل"يطالقون"حتى يصطلح معه ويكونا يدًا واحدة على قتال المسلمين، فبينما هو سائر والهدية معه وقد نزل على قرية اسمها"أرغير"وهو معوِّل على المسير وإذ قد كبسهم"يوقنَّا"، وقد أحاط بالقرية وأخذ كل من فيها وأسر البطريق ومن معه وبات ليلته.
فلما أصبح استعرض الأسرى وقال لهم: إن الله قد ظفَّرنا بكم ونصرنا عليكم، واعلموا أني ملك من ملوك الروم ملكت البلاد وقدت الجيوش وأمرت ونهيت وعبدت الصليب وقربت القربان، فلما أتى الله بهؤلاء القوم خبرتهم ونظرت ما هم عليه فعلمت أن الحق معهم