بصاحب القوم قد لقيه خالد فعرفه بلأمته وحسن زيه. فاستقبله وصرخ فيه فأرعبه ثم قال: يا لثأر ولدي سعيد وطعنه طعنة صادقة فجندله صريعًا كأنه برج من حديد.
فلما رأى الروم ذلك ولَّوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وقتل منهم ثلاثمائة وعشرون فارسًا وولى الباقون منهزمين وتركوا الأثقال والبغال والميرة وأخذ المسلمون الجميع بعون الله تعالى. قال: وأطلق سراح الفلاحين وعاد خالد ومن معه بالغنائم والميرة إلى عمرو بن العاص ففرح بسلامتهم وشكر فعلهم وكتب كتابًا إلى أبي بكر الصديق، وذكر له ما جرى مع الروم وبعث الكتاب مع أبي عامر الدوسي - رضي الله عنه - وأخذه وقدم به المدينة وأعطاه أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -. فلما قرأه على المسلمين فرحوا وضجوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير، ثم إن أبا بكر استخبر عن أبي عبيدة. فقال له عامر: إنه قد أشرف على أوائل الشام ولم يجسر على الدخول إليها وإنه سمع أن جيوش الملك قد اجتمعت من حول أجنادين وهم أمم لا تحصى وقد خاف على المسلمين أن يتوسط بهم عدوهم.
فلما سمع أبو بكر ذلك علم أن أبا عبيدة لين العريكة لا يصلح لقتال الروم وعوَّل أن يكتب إلى خالد بن الوليد ليوليه على جيوش المسلمين وقتال الروم قال: واستشار المسلمين في ذلك فقالوا: الرأي ما تراه، وكتب كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عتيق بن أبي قحافة إلى خالد بن الوليد سلام عليك: أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وإني قد وليتك على جيوش المسلمين وأمرتك بقتال الروم وأن تسارع إلى مرضاة الله - عز وجل - وقتال أعداء الله، وكن ممن يجاهد في الله حق جهاده ثم كتب:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" (الصف:10) ، وقد جعلتك الأمير على أبي عبيدة ومن معه. وبعث الكتاب مع نجم بن مقدم الكناني فركب على مطيته وتوجه إلى العراق فرأى خالدًا - رضي الله عنه - قد أشرف على القادسية فدفع إليه الكتاب فلما قرأه قال: السمع والطاعة لله ولخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتحل ليلًا وأخذ طريقه عن اليمين وكتب كتابًا إلى أبي عبيدة يخبره بعزله وبسيره إلى الشام، وقد ولاني أبو بكر على جيوش المسلمين فلا تبرح من مكانك حتى أقدم عليك والسلام. وبعث الكتاب مع عامر بن الطفيل - رضي الله عنه -، وكان أحد أبطال المسلمين فأخذه وتوجه يطلب الشام.