فلما سمع بطرس ذلك من قولها، ورأى حسنها وجمالها، قال لها: يا عربية أقصري عن فعالك فإنِّي مكرمك بكل ما يسرك! أما ترضينَ أن أكون أنا مولاك وأنا الذي تهابني أهل النصرانية ولي ضياع ورساتيق وأموال ومواش ومنزلة عند الملك هرقل، وجميع ما أنا فيه مردود إليك! أما ترضين أن تكوني سيدة أهل دمشق، فلا تقتلي نفسك؟! فقالت له: يا ملعون ويا ابن ألف ملعون والله لئن ظفرت بك لأقطعن رأسك! والله ما أرضى بك أن ترعى لي الإبل فكيف أرضاك أن تكون لي كفؤًا؟! فلما سمع كلامها حرَّض أصحابه على القتال، وقال: أترون عارًا أكبر من هذا في بلاد الشام أن النسوة غلبنكم؟! فاتقوا غضب الملك.
فافترق القوم وحملوا حملة عظيمة وصبر النساء لهم صبر الكرام، فبينما هم على ذلك إذ أقبل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ومن معه من المسلمين، ونظروا إلى الغبار وبريق السيوف، فقال لأصحابه: من يأتيني بخبر القوم؟ فقال رافع بن عميرة الطائي: أنا آتيك به. ثم أطلق جواده حتى أشرف على النسوة وهنَّ يقاتلن قتال الموت فرجع وأخبر خالدًا بما رأى، فقال خالد: لا أعجب من ذلك إنهنَّ من نسل التبابعة، وما بينهن وبين تبع إلا قرن واحد، وتبع بن بكر بن حسان الذي ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ظهوره، وشهد له بالرسالة قبل أن يبعث، وقال:
شهدت بأحمد أنه رسول ... من الله بارئ كل النسم ... وأمَّته سميت في الزبور ... بأمة أحمد خير الأمم ... فلو مد عمري إلى عصره ... لكنت وزيرًا له وابن عم
قال خالد: لا تعجب يا رافع واعلم أن هؤلاء النسوة لهن الحروب المذكورات والمواقف المشهورات وإن يكن فعلهن ما ذكرت، فلقد سدن على نساء العرب إلى آخر الأبد، وأزلن عنهن العار، فتهللت وجوه النساء فرحًا ووثب ضرار بن الأزور عندما سمع كلام رافع، فقال خالد: مهلًا ياضرار ولا تعجل فإنه من تأنى نال ما تمنى. فقال ضرار: أيها الأمير لا صبر لي عن نصرة بنت أبي وأمي، فقال خالد: قد قرب الفرج إن شاء الله تعالى. ثم إن خالدًا وثب