ووثب أصحابه، وقال معاشر الناس إذا وصلتم إلى القوم فتفرقوا عليهم وأحدقوا بهم، فعسى أن نخلِّص حريمنا. فقالوا: حبًا وكرامةً. ثم تقدَّم خالد. فبينما القوم في قتال شديد مع النسوة إذ أشرفت عليهم المواكب والكتائب والأعلام والرايات، فصاحت خولة: يا بنات التبابعة قد جاءكم الفرج ورب الكعبة!
ونظر بطرس إلى الكتائب المحمدية وقد أشرفت فخفق فؤاده وارتعدت فرائصه، وأقبل القوم ينظر بعضهم بعضًا. فصاح بطرس: يا معاشر النسوة إن الشفقة والرحمة قد دخلت في قلبي، لأن لنا أخوات وبنات وأمهات، وقد وهبتكن للصليب. فإذا قدم رجالكن فأخبروهن بذلك. ثم عطف يريد الهرب إذ نظر إلى فارسين قد خرجا من قلب العسكر، أحدهما قد تكمى في سلاحه والآخر عاري الجسد، وقد أطلقا عنانهما كأنهما أسدان وكانا خالدًا وضرارًا، فلما رأت خولة أخاها قالت له: إلى أين يا ابن أمي أقبل؟ فصاح بها بطرس انطلقي إلى أخيك فقد وهبتك له، ثم ولى يطلب الهرب. فقالت له خولة وهي تهزأ به: ليس هذا من شيم الكرام! تظهر لنا المحبة والقرب، ثم تظهر الساعة الجفاء والتباعد! وخطت نحوه. فقال: قد زال عنى ما كنت أجد من محبتك. فقالت له خولة: لابد لي منك على كل حال، ثم أسرعت إليه، وقد قصده ضرار. فقال له بطرس: خذ أختك عنى فهي مباركة عليك وهي هدية منى إليك. فقال له ضرار: قد قبلت هديتك وشكرتها، وإني لا أجد لك على ذلك إلا سنان رمحي فخذ هذه منِّي إليك. ثم حمل عليه ضرار، وهو يقول:"وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا" (النساء:86) ، ثم همهم إليه بالطعنة ووصلت إليه خولة فضربت قوائم فرسه فكبا به الجواد، ووقع عدو الله على الأرض فأدركه ضرار قبل سقوطه وطعنه في خاصرته فأطلع السنان من الجانب الآخر، فتجندل صريعًا إلى الأرض، فصاح به خالد: لله درك يا ضرار هذه طعنة لا يخيب طاعنها! ثم حملوا في أعراض القوم وجميع المسلمين معهم؛ فما كانت إلا جولة جائل حتى قتل من الروم ثلاثة آلاف رجل.
قال حامد بن عامر اليربوعي: لقد عددت لضرار بن الأزور في ذلك اليوم ثلاثين قتيلًا، وقتلت خولة خمسة، وعفراء بنت غفار الحميرية أربعة. وانهزم بقية القوم ولم يزالوا في إدبارهم والمسلمون على أثرهم، إلى أن وصلوا إلى دمشق، فلم يخرج إليهم أحد بل زاد فزعهم واشتد الأمر عليهم، فرجع المسلمون وجمعوا الغنائم والخيل والسلاح والأموال. ثم قال خالد: الحقوا بأبي عبيدة لئلا يكون وردان وجيوشه قد لحقوا به، فسار ضرار والقوم، وقيل جعل ضرار رأس البطريق على سنان رمحه، ولم يزل القوم سائرين إلى أن لحقوا بأبي