فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 611

الحمدُ لله الذي أرسلَ رسولَهُ بالهُدى ودينِ الحَقِّ ليظهرَهُ على الدينِ كلِّهِ ولو كرِهَ الكافِرون؛ والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الأَوّلين والآخِرين؛ الذي جاهدَ في الله حقّ جهادِهِ حتى أتاهُ اليقين؛ وعلى آلِهِ وصحابَتِهِ أشْرَفِ المُجاهِدين وأشْجَعِ المُقَاتِلين. أما بعد:

فسيرةُ سلفِنا -رحمهم الله تعالى- مَدْرسَةٌ جامِعَةٌ لأصولِ الفَضائِلِ عَقِيدةً وفِقْهًا وسُلُوكًا، وأعْطَرُ هذه السيرةِ شذىً وأَنْداها ذِكْرًا سيرَةُ أصحابِ نَبِيِّنا صلواتُ الله وسلامُهُ عليه؛ ورضيَ الله عنهم أجمعين؛ كيفَ لا وهم الجِيلُ الأوَّلُ الذي اخْتاره الله تعالى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ؛ وتَلَقَّوا عنه دِينَ رَبِّهم أَبْيَضَ نَقِيّا؛ قبل أن يَرَى المسلمون (الاختلافَ الكثيرَ) الذي أخبرَ عنه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام؛ ووقَرَ في نُفُوسِهم وخالَطَتْ بَشَاشَتُهُ قُلُوبَهَم دونَ أنْ يُعَكِّرَ صَفْوَ مفاهِيمِهم فلْسَفاتُ المدنِيَّةِ التي ابْتُلِيَتْ بها الأمم الأُخْرى من مثل فارسَ والروم.

وإذا كانت حياةُ المجتمعِ الإسلامي الأولِ هي الترْجَمةَ العَمَلِيَّةَ لِعَقِيدَةِ التوحيدِ وفِقْهِ الشَّرْعِ فإنّها في الجِهادِ في سبيلِ الله لِنَشْرِ هذا الدين بيانٌ حَيٌّ لِمُثُلِهِ العُلْيا وقِيَمِهِ السامِيَةِ التي تشْهَدُ بأنه تنْزِيلٌ من الله ربِّ العالَمين.

ونحنُ اليومَ - أُمَّةَ الإسلام - بِحاجَةٍ ماسَّةٍ إلى إبْرازِ تِلْكَ المآثِرِ وتَقْدِيمِها بَينِ يَدَيِ الناشِئَةِ المُسْلِمَةِ مَعْلَمًا من معالِم الطريقِ ومَنارَةً رَفِيعَةً من مَنارَاتِها؛ ولأننا بِذلك نُعَمِّق صِلَةَ الأمَّةِ بِماضيها؛ ونُقِيمُ سدًّا منيعًا في وَجْهِ عَوْلَمَةِ المسخِ الثقافيِّ ورِيَاحِهِ العاتِيَةِ التي يُرادُ بها مَحْوُ الصِّبْغَةِ الحضاريَّةِ لأمَّةِ الإسْلام!، وخَسِرَ هنالك المُبْطِلُون.

وكتُبُ التواريخِ والسِّيَرِ -على كثْرَتِها- ليسَ يُغْنِي كتابٌ منها عنْ كتاب؛ بل كلٌّ منها مُكَمِّلٌ للآخرِ بِمَزيدِ إيضاحٍ وبيانٍ؛ أو تفصيلٍ لما أُجْمِلَ؛ أو نَقْضٍ يَلوحُ معهُ وجْهُ الصواب؛ وذلك مِنْ أعظمِ العَوْنِ على تَحْقيقِ الحوادِثِ التاريخِيَّةِ وتَمْحيصها.

والاعْتِبارُ بحوادثِ التاريخِ على الجُمْلَةِ شَيءٌ؛ وتَحْقيقُ مَرْوِيَّاتِهِ شَيءٌ آخَر، ومعَ أنَّ هذا الثانيَ أمْرٌ لا بُدَّ منه؛ إلا أنَّ الأوَّلَ هو ثَمَرَةُ دِرَاسَةِ عِلْمِ التاريخ وغايَتُهُ!، وإذا كانَ العاقِلُ يَعتَبِرُ بالقِصَّةِ المَنْسُوجَةِ المُخْتَرَعَةِ على أَلْسِنَةِ الطيورِ والعجماواتِ من المَخْلُوقات؛ ويَعْتَبِرُ بالمثَلِ المَضْروبِ الذي لا أَصْلَ لهُ؛ فاعْتِبارُهُ بالحادِثِ التاريخِيِّ أوْلَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت