لا يرجع من بين يدي عدوه! فقال الرجل: أما كفاك هذه الضربة حتى توبخني إن الله ليلومني بأن ألقي بيدي إلى التهلكة، ثم شدَّ جراحه، وعظم عليه ما قال ابن عمه، فلما خرج قال له الذي خاطبه: ارجع فخذ هذه البيضة واجعلها على رأسك. فقال: ثقتي بالله أعظم من حديدك، ثم دلف نحو البطريق وهو يقول:
يقول لي عند الخروج للقا ... دونك هذا الترس فاجعله وقا
من علج سوء قد بغى وقد طغى ... أقسمت بالله يمينًا صادقا
لأتركن البيض فوق المرتقى ... وأدخل الجنة دار الملتقى
فدعا له المسلمون بالنصر، وحمل على البطريق وضربه ضربة هائلة فوقعت على عاتقه وخرجت من علائقه ثم حمل في جيش الروم فقتل رجالًا وجندل أبطالًا ولم يزل كذلك حتى قتل رحمه الله تعالى. فقال عمرو: هذا رجل اشترى الجنة من الله بنفسه: اللهم أعطه ما تمنى.
قال الواقدي: وكان هرقل حين بعث ولده فلسطين إلى قيسارية بعث معه بطريق كل البطارقة وكان اسمه"قيدمون"وكان من أفرس الروم ويقال إنه خال فلسطين، وقد كان لقي عسكر الفرس وعسكر الترك وعسكر الجرامقة. وكان يحفظ سائر اللغات. فقال لفلسطين: لابد لي من قتال العرب! وخرج وعليه لأمة مبارزًا، فلما رآه المسلمون قد خرج وكأنه جبل قد انهد من أعلاه إلى أسفله وهو يلمع من بريق الجوهر ضج المسلمون بقول"لا إله إلا الله"، فلما وقف في الميدان أقبل يرطن بلغته ويطلب البراز فأقبل العرب يهرعون إليه من كل جانب ومكان يريدون قتاله لأجل ما عليه، فقال عمرو: ثواب الله خير لكم مما عليه فلا يخرج أحد لطلب سلبه فيكون خروجه لأجل ذلك، وإن قتل مات في سبيل ما خرج إليه، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه"!
وكان غلام قد خرج من اليمن ومعه أمه وأخته يريدون الشام، وأخته تقول له: يا ابن أمي جد بنا في السير لنصل إلى الشام فنأكل من خيره ونعمه. فقال لها أخوها: إنما أذهب لأقاتل لمرضاة الله - عز وجل -. وقد سمعت معاذ بن جبل - رضي الله عنه - يقول: إن الشهداء عند ربهم يرزقون. فقالت له أخته: كيف يرزقون وهم أموات؟! قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الله تعالى يجعل"