من الحقد والتنافر؟! وإنا لنعلم أنك أفضل منا وأسبق في الإيمان والجهاد، ونحن عارفون بمرتبتكم غير منكرين.
فسكت عمر - رضي الله عنه - واستحيا من هذا الكلام. فقال أبو سفيان: إني أشهدكم أنِّي قد حبست نفسي في سبيل الله، وكذلك تكلم سادات مكة. فقال أبو بكر: اللهم بلغهم أفضل ما يؤملون، واجزهم بأحسن ما يعملون وارزقهم النصر على عدوهم ولا تمكن عدوهم فيهم:"إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران:26) . فما تمت أيام قلائل حتى جاء جمع من اليمن وعليهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي - رضي الله عنه - يريد الشام فما لبثوا حتى أقبل مالك بن الأشتر النخعي - رضي الله عنه - فنزل عند الإمام علي - رضي الله عنه - بأهله، وكان مالك يحب سيدنا عليًا، وقد شهد معه الوقائع وخاض المعامع في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد عزم على الخروج مع الناس إلى الشام.
قال الواقدي: واجتمع بالمدينة نحو تسعة آلاف، فلما تم أمرهم كتب أبو بكر كتابًا إلى خالد بن الوليد يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله إلى خالد بن الوليد ومن معه عن المسلمين. أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأوصيكم وآمركم بتقوى الله في السر والعلانية، وقد فرحت بما أفاء الله على المسلمين من النصر وهلاك الكافرين وأخبرك أن تنزل إلى دمشق إلى أن يأذن الله بفتحها على يدك فإذا تم لك ذلك فسر إلى حمص وأنطاكية والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته، وقد تقدم إليك أبطال اليمن وأبطال مكة ويكفيك ابن معد يكرب الزبيدي ومالك بن الأشتر وانزل على المدينة العظمى أنطاكية، فإن بها الملك هرقل فإن صالحك فصالحه وإن حاربك فحاربه ولا تدخل الدروب، وأقول هذا وإن الأجل قد قرب ثم كتب:"كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ" (آل عمران:185) ثم ختم الكتاب وطواه ودفعه إلى عبد الرحمن، وقال له: أنت كنت الرسول من الشام وأنت ترد الجواب فأخذه عبد الرحمن وسار على مطيته يطوي المنازل والمناهل إلى أن وصل إلى دمشق.
حدثني نافع بن عميرة قال: لما بعث خالد بن الوليد الكتاب إلى أبي بكر الصديق ارتحل يريد دمشق، وكان أهلها قد سمعوا بقتل بطريقهم وأبطالهم وانهزام جيوشهم ومن أرسلهم الملك بأجنادين فخافوا وتحصنوا بدمشق وأعدوا آلة الحصار ورفعوا السيوف والطوارق وعلوا على