فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 611

كتابُ الواقِديِّ (فتوح الشام) من الكُتُبِ التي حَوَتْ الكثيرَ من هذه العِبَر؛ مع حسْنِ السِّياقِ وعُذُوبَةِ العبارة؛ عرفتُ هذا لما قرأتُ كثيرًا منه وحدي أوَّلًا؛ ثم قرأتُ أكثرهُ على صاحبٍ لي ثانيًا؛ ثم قرأْتُهُ بِتَمامِهِ على بَعْضِ طلابِ العلمِ ثالِثًا؛ فآنَسْتُ مِن الفوائِدِ في قِراءَتِهِ ما شَرَحَ صَدْرِي وصدورَ الحاضرينَ؛ ورأيتُ آثارَهُ على صَفَحاتِ الوُجُوهِ؛ وَوَدِدْتُ لو أنَّ الكِتابَ حَظِيَ بِتَقْريبِ مادَّتِهِ للمسلمين عامَّةً؛ وللمُجاهِدينَ دِرْعِ الإسلامِ الحصينِ خاصَّةً؛ وأكَّدَ لي حاجَةَ الكتابِ إلى التَّهْذيبِ ما رأيتُ في تَضاعِيفِهِ من الاستطْرادِ في تَقْريرِ عِباراتِ المتَصَوِّفَةِ وعُلُومِهم مما يُقْطَعُ معه بأنّها ليستْ من عبارته لأنها لم تكنْ معهودَةً في زَمَنِهِ؛ فإن وفاته على ما ذكرهُ البخاريُّ في التاريخِ وابنُ النديمِ في سنةِ سبع ومائتين في شهرِ ذي الحجَّةِ منها. وكلامُ العلماء في الواقِديِّ مشْهورٌ لا يَخْفَى؛ ومن ذلك قول الذهبي فيه في السِّيَر:"وجمعَ فأوعى؛ وخلطَ الغَثّ بالسمين؛ والخزَفَ بالدُرِّ الثمين؛ فاطّرحُوهُ لذلك؛ ومع هذا لا يُسْتَغْنَى عنه في المغازِي وأيامِ الصحابَةِ وأخبارِهم". انتهى.

ووراءَ ذلك كلِّهِ ما في الكتابِ من الفوائدِ والعبر:

-منْها: بيانُ مَنزِلَةِ الجهادِ من الإسلامِ بيانًا عَمليًّا؛ وأنه عِبادَةُ الأمَّةِ كلِّها؛ وليسَ (وظِيفَةَ) طائِفَةٍ منها فَحَسْبُ.

-ومِنها: إيضاحُ مفهومِ الجِهادِ في سبيلِ الله؛ وأنه ليسَ القِتالَ وحْدَهُ؛ بل كل علم وعملٍ فيه رفعُ لواء الشرعِ والتمكين لدينِ الله في الأرضِ فهو من الجهادِ الواجبِ على المسلمين.

-ومنها: أنَ روحَ الجهادِ في سبيلِ الله هو السمُوُّ الأخلاقِيُّ الذي فتحَ قلوبَ العباد قبل فتح بلادهم بالسيفِ حتى دخلتْ أمم منهم في دينِ الله أفْواجًا.

-ومنها: ما كان عليه صدْرُ الأمّةِ - رضي الله عنهم - من مُراعاةِ أوامِرِ الله تعالى الدينيَّةِ الشرْعِيةِ من التعاضدِ والتلاحُمِ والتناصُر ولزوم الجماعةِ والسمعِ والطاعَةِ مما له أعظمُ الأثرِ في إيقاعِ الهَيْبَةِ في نفوسِ الأعداء؛ واستجلابِ نصرِ الله تعالى.

-ومنها: مراعاةُ السنن الكونِيّةِ في بناء الأُمم وقيامِ الدُوَلِ وسِياسَةِ الرعِيَّةِ؛ حيثُ يكونُ السَعْيُ على وَفْقِها من أَعْظَمِ أسبابِ النُّهوضِ والبِناءِ ومخَالَفَتُها من أعظم أسباب السقوط وذهابِ الأمم والدول.

-ومِنْها البيانُ العمليّ لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم:"الحربُ خَدْعَةٌ"؛ وما ينْبَغِي أن يتَحلَّى به القائدُ من حميدِ الصِّفاتِ ومحاسِنِ الشمائل التي هي سلم الوصول إلى مراقِي الفلاحِ والنجاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت