فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 611

وأما خالد فلما وصل إلى أرض السماوة قال: أيها الناس إن هذه الأرض لا تدخلونها إلا بالماء الكثير لأنها قليلة الماء ونحن في جيش عظيم والماء معكم قليل فكيف يكون الأمر؟ فقال له رافع بن عميرة الطائي - رضي الله عنه: أيها الأمير إني أشير عليك بما تصنع. فقال: يا رافع أرشدك الله بما نصنع ووفقك الله مولانا جل وعلا للخير، قال: فأخذ رافع ثلاثين جملًا وعطشها سبعة أيام ثم أوردها الماء فلما رويت حزم أفواهها، ثم ركبوا المطايا وجنبوا الخيول وساروا فكانوا كلما نزلوا منزلًا أخذوا عشرة من الإبل يشقون بطونها ويأخذون ما يجدون من الماء في بطونها فيجعلونه في حياض الأدم، فإذا برد سقوه للخيل وأكلوا اللحم ولم يزالوا كذلك حتى تمت الإبل وفرغ الماء وقطعوا مرحلتين بلا ماء وأشرف خالد ومن معه على الهلاك. فقال خالد لرافع بن عميرة: يا رافع قد أشرفنا على الهلاك والتلف أتعرف لنا ماء ننزل فيه. وكان رافع رمدت عيناه.

فقال: أيها الأمير أتاني رمد كما ترى، ولكن إذا أشرفتم على أرض سهلة فأعلموني. فلما أشرفوا عليها أعلموا رافعًا بذلك. فرفع طرف عمامته عن عينيه، وسار على راحلته يضرب يمينًا وشمالًا والناس من ورائه إلى أن أقبل على شجرة من الأراك فكبر وكبر المسلمون، ثم قال: احفروا هنا. فحفرت العرب وإذ الماء قد طلع كالبحر، فنزل الناس عليه وشكروا الله تعالى وأثنوا عليه وعلى رافع خيرًا، ثم وردوا الماء وسقوا خيلهم وإبلهم، ثم جدُّوا في طلب من انقطع من المسلمين ومعهم القرب بالماء. فسقوهم فارتجعت قوتهم. ثم لحقوا بالجيش وأراحوا أنفسهم، ثم في ثاني يوم جدوا في المسير إلى أن بقي بينهم وبين أركة مرحلة واحدة، فبينما هم كذلك إذ أشرفوا على حلة عامرة وأغنام وإبل قد سدت الفضاء والمستوي، فأسرع المسلمون إلى الحلة وإذا براع يشرب الخمر وإلى جانبه رجل من العرب مشدود. فتبينه المسلمون وإذا هو عامر بن الطفيل الذي أرسله خالد بن الوليد. فأقبل خالد مسرعًا حتى وقف عليه، فلما رآه تبسم وقال: يا ابن الطفيل كيف كان سبب أسرك؟ قال عامر: أيها الأمير إني أشرفت على هؤلاء القوم في هذه الحلة وقد أصابني الحر والعطش فملت إلى هذا الراعي ليسقيني من اللبن فوجدته يشرب خمرًا. فقلت له: يا عدو الله أتشرب الخمر وهي محرمة؟! فقال لي: يا مولاي إنها ليست بخمر وإنما هي ماء زلال، فانزل كي تراه واستنشق ما في الجفنة فإن كان خمرًا فافعل ما بدا لك! فلما سمعت كلامه أنخت المطية ونزلت عن كورها وجلست على ركبتي في الجفنة وإذا أنا بالعبد قد طلبني بعصا كانت إلى جانبه وضربني على رأسي فشجني شجة موضحة، فانقلبت على جانبي فأسرع العبد إليَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت