وشدَّني كتافًا وأوثقني رباطًا وقال لي: أظنك من أصحاب محمد بن عبد الله ولست أدعك من بين يدي أو يقدم سيدي من عند الملك. فقلت له: ومن سيدك من العرب؟ فقال: القداح بن وائلة، وإني عند هذا العبد كلما شرب الخمر أحضرني كما ترى وألقى عليَّ فضلة من كأسه. فلما سمع خالد بن الوليد كلام عامر بن الطفيل اشتد به الغضب ومال على العبد وضربه ضربة هائلة فجندله صريعًا ونهب المسلمون المال والأغنام والإبل وقلعوا الحلة بما فيها وأطلق عامرًا وقال له: أين رسالتي يا عامر؟ فقال: يا مولاي هي في طرف عمامتي لم يعلم بها العبد.
فقال خالد: انطلق بها يا عامر على بركة الله تعالى. فركب عامر وسار يطلب الشام وارتحل خالد من موضعه ذلك فنزل بأركة وهي رأس الأمانة لمن يخرج من العراق، وكانت الروم تمسك بها القوافل وكان عليها بطريق من قبل الملك فأغار خالد عليها وأخذ ما كان فيها وتحصن أهلها بحصنها وكان يسكن فيها حكيم من حكماء الروم وقد طالع الكتب القديمة والملاحم، فلما رأى المسلمين وجيشهم امتقع لونه وقال: اقترب الوقت وحق ديني! فقال أهل أركة: وكيف ذلك؟ قال: إن عندي ملحمة فيها ذكر هؤلاء القوم، وإن أول راية تشرف من خيلهم هي الراية المنصورة وقد دنا هلاك الروم، فانظروا إن كانت رايتهم سوداء وأميرهم عريض اللحية طويل ضخم بعيد ما بين المنكبين واسع الهيكل في وجهه أثر جدري فهو صاحب جيشهم في الشام وعلى يديه يكون الفتح. فنظر القوم وإذا الراية على رأس خالد وهي كما قال حكيمهم.
واجتمعوا على بطريقهم وقالوا له: أنت تعلم أن الحكيم سمعان لا ينطق إلا بالحق والحكمة وقد قال كذا وكذا. والذي وصفه لنا رأيناه عيانًا ونرى من الرأي أن نعقد بيننا وبين العرب صلحًا ونأمن على حريمنا وأنفسنا. فلما سمع ذلك بطريقهم قال: أخروني إلى غد لأرى من الرأي. فانصرفوا من عنده وبات البطريق يحدث نفسه ويدبر أمره وكان عارفًا عاقلًا خبيرًا بالأمور، وقال: إن أنا خالفتهم خفت أن يسلموني للعرب، وقد تحقق أن روبيس سار بجيش عظيم فهزمهم العرب ولم يزل يراود نفسه إلى أن أصبح الصباح فدعا قومه. وقال: على ماذا عوَّلتم؟ قالوا: عوَّلنا على أننا نقيم الصلح بيننا وبين العرب. فقال البطريق: أنا واحد منكم مهما فعلتم لا أخالفكم. فخرج مشايخ أركة إلى خالد وكلموه في الصلح، فأجابهم إلى الصلح وألان الكلام لهم وتلقاهم بالرحب والسعة ليسمع بذلك أهل السخنة ويبلغ الخبر لأهل قدمة، وكان الوالي عليهم بطريق اسمه كوكب، فجمع رعيته وقال لهم: بلغني عن