فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 611

هؤلاء العرب أنهم فتحوا أركة والسخنة وأن قومنا يتحدثون بعدلهم وحسن سيرتهم وأنهم لا يطلبون الفساد وهذا حصن مانع لا سبيل لأحد علينا، ولكن نخاف على نخلنا وزرعنا، وما يضرنا أن نصالح العرب، فإن كان قومنا هم الغالبين فسخنا صلحهم، وإن كان العرب ظافرين كنا آمنين. ففرح قومه بذلك وهيئوا العلوفة والضيافة حتى خرج خالد - رضي الله عنه - من أركة ونزل عليهم فخرجوا إليه بالخدمة وصالحهم على ثلثمائة أوقية من الذهب وكتب لهم كتابًا بالصلح، ثم ارتحل عنها إلى حوران.

وبلَّغ عامر بن الطفيل كتاب خالد إلى أبي عبيدة، فلما قرأه تبسم وقال: السمع والطاعة لله تعالى ولخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أعلم المسلمين بعزله وولاية خالد بن الوليد، وكان أبو عبيدة وجَّه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بصرى في أربعة آلاف فارس. فسار على فنائها، وكان على بصرى بطريق عظيم الشأن والقدر عند الملك وعند الروم اسمه روماس، وكان قرأ الكتب السالفة والأخبار الماضية، وكان يجتمع إليه الروم من أقصى بلادها ينظرون إلى عظيم خلقته ويسمعون ألفاظ حكمته، وكانت آهلة بالخلق عامرة بالناس، وكان فيها ألف فارس، وكان العرب يقصدونها ببضائعهم وتجارتهم من أقصى اليمين وبلاد الحجاز، فإذا كان في أيام الموسم ينصب لبطريقهم كرسي ليجلس عليه ويجتمع الناس إليه، ويستفيدون من علمه وحكمته، فبينما هم قد اجتمعوا إليه وقعت الضجة بقدوم شرحبيل بن حسنة وعسكره فبادر إلى جواده فركبه وصاح في قومه فأجابوه وقال: لا تتحدثوا حتى نسمع كلام القوم وما عندهم، ثم سار حتى قرب من شرحبيل بن حسنة وجيشه، ونادى: معشر المسلمين أنا روماس وإني أريد صاحبكم. فخرج إليه شرحبيل، فلما قرب منه قال البطريق: من أنتم؟ قال شرحبيل: من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - النبي الأمي القرشي الهاشمي المنعوت في التوراة والإنجيل. فقال روماس: ما فعل الله به؟ فقال شرحبيل: قبضه الله إليه. فقال البطريق: فمن ولي الأمر بعده؟ قال: عتيق بن أبي قحافة بن بكر بن تيم بن مرة. فقال روماس: وحق ديني لقد أعلم بأنكم على الحق ولا بد لكم أن تملكوا الشام والعراق وأنا أشفق عليكم إذ أنتم في جمع يسير ونحن في جمع كثير، ولكن ارجعوا إلى بلادكم فإنَّا لا نتعرض لكم. واعلم يا أخا العرب أن أبا بكر هو صاحبي ورفيقي ولو كان حاضرًا ما قاتلني. فقال شرحبيل: لو كنت ولده أو ابن عمه لما عفا عنه إلا أن يكون من أهل ملته! وليس له من الأمر شيء لأنه مكلف، وقد أمره الله أن يجاهدكم ولسنا نبرح عنكم إلا بإحدى ثلاث: إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية، أو السيف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت