فقال روماس: وحق ما أعتقده من ديني: لو كان الأمر إليَّ لا أقاتلكم لأني أعلم أنكم على حق، وهؤلاء طواغيت الروم والقوم مجتمعون، وإني أريد أن أرجع إليهم وأنظر ما عندهم. فقال شرحبيل: ارجع إليهم فلابد لكم بما ذكرت. ثم عاد روماس إلى قومه وجمعهم، وقال: يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية الذي كنتم تعتقدونه في كتبكم من الخروج من بلادكم ودياركم ونهب أموالكم قد قرب وهذا وقته وزمانه ولستم بأعظم جيشًا من روبيس سار إلى شرذمة من العرب بأرض فلسطين فقتل وقتل من معه وانهزم الباقون، ولقد بلغني أن رجلًا منهم قد خرج من أرض السماوة صوب العراق اسمه خالد بن الوليد وقد فتح أركة والسخنة وتدمر وحوران، وهو عن قريب يحضر إليكم، والصواب أن تؤدوا الجزية عن يد إلى هؤلاء العرب وينصرفون عنكم.
فلما سمع قومه ذلك غضبوا وشوشوا وهموا بقتله. فقال روماس: يا قوم إنما أردت أن أختبركم، وأرى حمية دينكم والآن دونكم والقوم وأنا أولكم. قال: فرجعت الروم إلى عددها وعديدها وتظاهروا بالدروع البيض وقادوا الجنائب وتهيئوا للحملة. فلما رأى شرحبيل بن حسنة ذلك وعظ أصحابه. وقال: اعلموا رحمكم الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الجنة تحت ظلال السيوف"وأحب ما قرب إلى الله قطرة دم في سبيل الله أو دمعة جرت في جوف الليل من خشية الله؟. قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (آل عمران:102) ثم حمل وحمل المسلمون على جيش بصرى. قال عبد الله بن عدي: واجتمع علينا العدو وحملوا علينا في اثني عشر ألف فارس من الروم، ونحن فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وصبرنا لهم صبر الكرام، ولم يزل القتال بيننا وبينهم إلى أن توسطت الشمس في قبة الفلك، وقد طمع العدو فينا، فرأيت شرحبيل بن حسنة قد رفع يده إلى السماء وهو يقول: يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، اللهم انصرنا على القوم الكافرين. قال: فوالله ما استتم شرحبيل كلامه ودعاءه حتى جاء النصر من عند الله العزيز الحكيم، وذلك أن القوم داروا بنا فرأينا غبرة قد أشرفت علينا من صوب حوران فلما قربت لنا رأينا تحتها سوابق الخيل، فلاحت لنا الأعلام الإسلامية والرايات المحمدية، وقد سبق إلينا فارسان: أحدهما ينادي ويزعق: يا شرحبيل يا ابن حسنة أبشر بالنصر لدين الله، أنا الفارس الصنديد والبطل المجيد، أنا خالد بن الوليد، والآخر يزعق ويقول: أنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأشرفت العساكر من كل جانب. وأشرفت راية العقاب يحملها رافع بن عميرة الطائي. عن ميسرة بن مسروق العبسي قال: والله