المدينة وكلما أتى بابًا من الأبواب وقف عنده وحرض أهله على القتال، وهو يقول صبرًا صبرًا لأعداء الله. وأقبل توما من بابه الذي يدعى باسمه، وكان عندهم عابدًا راهبًا وكان معظمًا عند الروم فخرج ذلك اليوم من قصره والصليب الأعظم على رأسه وعلا به فوق البرج وأوقف البطارقة حوله والإنجيل تحمله ذوو المعرفة ونصبوه بالقرب من الصليب ورفع القوم أصواتهم، وتقدم توما ووضع يده على أسطر من الإنجيل. وقال: اللهم إن كنَّا على الحق فانصرنا ولا تسلمنا لأعدائنا واخذل الظالم منا فإنك به عليم! اللهم إننا نتقرب إليك بالصليب ومن صلب على دينه، وأظهر الآيات الربانية والأفعال اللاهوتية انصرنا على هؤلاء الظالمين. وأمَّن الناس على دعائه. قال رفاعة بن قيس: هكذا حدثني شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي فسر لنا هذا الكلام روماس صاحب بصرى، وكان في جيش شرحبيل بن حسنة يقاتل على باب توما، وكلما قال الروم شيئًا بلغتهم فسره لنا. ونهض شرحبيل وقصد الباب بحملته، وقد عظم عليه قول توما اللعين، وقال له: يا لعين لقد كذبت إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب. أحياه متى شاء ورفعه متى شاء. ثم إن روماس ناوشه بالقتال، فقاتل توما قتالًا شديدًا وهشم الناس بالحجارة ورمى النشاب رميًا متداركًا فجرح رجالًا. وكان ممن جرح أبان بن سعيد بن العاص أصابته نشابة، وكانت مسمومة فأحس بلهيب السم في بدنه فتأخر وحمله إخوانه إلى أن أتوا به إلى العسكر فأرادوا حل العمامة. فقال: لا تحلوها فان حللتم جرحي تبعتها روحي أما والله لقد رزقني الله ما كنت أتمناه. قال فلم يسمعوا قوله وحلوا عمامته. فلما حلوها شخص إلى السماء وصار يشير بإصبعيه أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، فما استتمها حتى توفي إلى رحمة الله تعالى.