جاهل بكم غير عارف بقولكم وسوف أكشف له عن أموركم وحق ديني ما رأيت منكم إلا خيرًا وسوف أجازيكم على ذلك، ولولا محبة الأهل والوطن ودين المسيح ما كنت فارقتكم وخرجت هي وأبوها ومضت إلى القصر وقالت له: أبشر بما يسرك هؤلاء وجوه القوم وساداتهم والذي عليه زي الروم هذا"يوقنَّا"بطريق حلب الذي طرده المسيح عن بابه والرأي عندي أن نطلبهم عندنا إلى هذا القصر ونقبض عليهم بحيث لا يقف أحد على سرنا. قال ففرح أبوها بقولها وبعث حاجبه إلى الصحابة فأتى بهم وأنزلهم بعض حجر القصر.
قال الواقدي: وكان عمال أبيها من البطارقة والمقدمين على القلاع قد أتوا يهنئون أباها برجوعها إلى دين المسيح فقالت"طاريون": من الصواب أن نمضي أنا وأنت إلى هؤلاء العرب ونجلس عندهم ونأكل معهم حتى يطمئنوا إلينا وأقول لهم إني أريد أن أشاور أهل بلدي وأرباب دولتي، فإما أن نصالحكم ونؤدي إليكم الجزية أو نقاتلكم ونبعث إليهم طعامًا مبنجًا فإذا أكلوه وحكم فيهم البنج قبضنا عليهم ونفعل بهم ما نريد وأشير به عليك. فلما جن الليل أتت هي وأبوها عندها وتحدثوا ساعة ومضوا، فلما كان الغد جلس أبوها على سريره وعلمت ابنته أنه اشتغل بما هو فيه فأتت"طاريون"إلى الصحابة وقالت لهم: إذا جئت الليلة أنا وأبي فدونكم وإياه لا تمهلوه فقد اتفق رأيه على كذا وكذا فشكروها على فعلها ومضت عنهم، فلما كان الليل جاءت ومعها أبوها وتقدمت كأنها تحجبه وأشارت إليهم بأن لا تعجلوا وأمهلوه فأمسكوا عنه وتحدثوا ساعة وخرجا من عندهم.
فلما خلا مع ابنته قال لها: أما قولك نقبض على هؤلاء العرب فليس بصواب، وإني أريد أن أجمع بطارقتي وولاة أمري من الحصون والقلاع وآخذ عليهم عهدًا أن لا يخامروا عليك أبدًا وأن يطيعوك وأرسل المال والذخائر وما نخاف عليه إلى قلعة"يرقبوس"فإنها أمنع قلاع الأرض. قال الواقدي: وهذه القلعة التي ذكرت في وسط بحيرة أرجيس لا سبيل لأحد عليها. قال لها: وإذا وليتك عليها أطلق هؤلاء العرب فإنه ما سبقني أحد من الملوك إلى قبض الرسل وأيضًا يتحدث عني أني فزعت من العرب وقد عولت على لقائهم، فإن نصرت عليهم فذاك هو المراد، وإن نُصروا عليَّ فلي أسوة بأمثالي من الملوك، وقد أرسلت إلى الملك"درفشيل"صاحب أرزن الروم بأن يأتي إليَّ بجنوده وعدَّته وعدده ووعدته أن أزوجه بأختك"فاروثة"فما ترين من الرأي؟ قالت له: أيها الملك إذا عزمت على هذا الأمر فلا تترك هؤلاء يمضون حتى يجتمع العسكر ويقدم الملك"درفشيل"بجيشه ولا يتخلف عنك أحد وبعد ذلك اترك هؤلاء، فإذا ساروا إلى صاحبهم فسر أنت في أثرهم بالجيوش واكبس عسكرهم.