فقال: يا بنية ليس من الرأي أن نطلقهم من أيدينا بل نبعث إلى صاحبهم نقول له إنهم مكرمون عندنا وقد رأينا أننا في يوم عيد ندبر فيه أمرنا فإما أن نصالحكم بأداء الجزية وإما أن نقاتلكم والله ينصر من يشاء ونأمرهم أن ينزلوا في مرج بطان فإنه مرج واسع يصلح لملتقى العساكر ونضرب معهم مصفًا، ونحن أخبر منهم بالبلاد ونمسك عليهم الحروب فما ينجو منهم أحد ونسير إلى ديار بكر فنملكها ونأخذ أرض ربيعة ولا يبقى في هذه البلاد ملك سوانا. فقالت له"طاريون": افعل ما تشاء. وتركته وانصرفت إلى مكانها!
فلمَّا عرفت أن أباها قد أغلق أبوابه أتت إلى الصحابة وعرفتهم بما قال أبوها فقال خالد: اللهم يسر لنا الأمر من غير تعب وإذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه. فقال"يوقنَّا": وكيف ذلك يا صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال خالد: نعم! نحن أمورنا بحمد الله منوطة بالنصر وقد كفانا كل أمر، واعلموا أن هذا الرجل قد عوَّل أن يبعث ليجتمع ملوكه وجيوشهم ويحرضهم على قتالنا، والصواب أننا نصبر حتى يجتمعوا. فقالت"طاريون": لقد نطقت بالصواب يا صاحب رسول الله ووفقت، ولعل أن يحصلوا كلهم في أيديكم إن شاء الله، فإن أبي لا يقدر أن يوليني إلا في البيعة بحضرة أصحاب القلاع والحصون ويأخذ لي عليهم العهد وبعدما يفعلون ذلك تثورون عليهم إن شاء الله، ولعل أن يكون في جملتهم صاحب أرزن ونرسل العبد الصالح"يوقنَّا"بزي صاحب أرزن فلعله يملكها إن شاء الله تعالى ونكون ظفرنا بالأرب! وخَرَجت من عندهم.
.حدثنا صالح بن عمران أنَّه لما اتفق الرأي على الملك صاحب أخلاط على ما ذكرنا وأصبح الصباح أرسل وراء صاحب أعماله وولاة الحصون أن يحضروا عنده فأتوا بأجمعهم ولم يتخلف منهم أحد وأتى درفشيل من أرزن ومعه عسكره وكان اجتماعهم في ليالي عيدهم الكبير فزينوا البيعة وجاءت القسوس والرهبان من كل مكان ودخلوا البيعة وصلوا وقربوا القربان، فلما فرغوا من قربانهم وصلاتهم جلس الملك على سريره وابنته واقفة عن يمينه. فقال للملوك والبطارقة: اعلموا أنني ما جمعتكم إلا لأمر أعرضه عليكم وفيه سداد أمركم وملككم ودينكم وقد عوَّلت على أنني أولي أمركم الملكة"طاريون"فإنها كما علمتم من أصحاب العقل والرأي والتدبير في الحرب والشجاعة والبراعة فإن قضي علي فإنها تكون مالكة فما تقولون. فقاموا بأجمعهم وصقعوا له وقالوا: نعم الرأي الذي رأيته أيها الملك فأنجز أمرك فعندها وثب قائمًا وأزال التاج عن رأسه ووضعه على رأس"طاريون"وأمسك بيدها وأجلسها على السرير ووقف عن يمينها كأنه حاجب ووقف صاحب أرزن عن يسارها