دين هؤلاء يعلو ولا يُعلى عليه فمن أسلم منكم أمن في الدنيا والآخرة! وهم قد نزلوا على آمد ولابد لهم من ديار بكر جميعها فمن خالفهم وعصى نهبوا بلده، واستعبدوا أهله وولده، فإن أسلمتم لهؤلاء القوم أمنتم على أنفسكم وأولادكم. فقالوا: أيها الصاحب أمهلنا ثلاثة أيام حتى نرى ما لنا فيه من الصلاح فتركهم وانصرفوا من عنده، فلما كان الليل اجتمعوا وتحالفوا أن لا يسلموا للعرب أبدًا ولو هلكوا عن آخرهم وأصروا على القتال. فبعد ثلاثة أيام طلبهم فلم يأته إلا القليل، وأتت إليه العين الصافية وأخبرته بما عزم عليه أهل البلد، ثم لبسوا سلاحهم وأتوا إليه يقاتلونه فخرج إليهم بجماعة ومعه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتلوا قتالًا شديدًا، فلما جنَّ الليل. قال لهم: أرسلوا إلى أميركم ينجدنا فأرسل واحدًا منهم فما بعد عن البلد حتى سمع قرع حوافر الخيل، فلما تبيَّنهم إذ هم من عسكر الموحدين، وإذا هم خمسمائة فارس وعليهم ضبة بن عدي، وكان السبب في ذلك أن عياض بن غنم رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام وأخبره بقصة ميافارقين وما جرى لصاحبها من أهل بلده وأمره أن يرسل إليهم جيشًا فاستيقظ من نومه وأرسل إليهم ضبة بن عدي ومعه خمسمائة فارس وأذن الله للأرض أن تطوى لهم فوصلوا إليهم في تلك الليلة فأتى بهم إلى السر، وكانوا قد وكلوا به من يحفظه فنادى ففتحوا لهم، وإذا بصاحب البلد قابلهم فأدخلهم، فقالوا له: من أعلمكم بقدومنا؟ فقال صاحب البلد: أعلمني بكم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأيته، وقد نمت من ضيق صدري بقتال هؤلاء القوم أهل البلد فنمت فرأيت شخصه الشريف فبشرني بقدومكم.
فلما حصلوا بأجمعهم خرج للقتال أهل البلد فصاح بهم المسلمون: يا أعداء الله قد حل بكم البوار، وأحاطت بكم الأقدار، من أصحاب محمد المختار، ووضعوا فيهم السيف فولوا إلى منازلهم ودورهم ليتحصنوا بها، وقد علموا أنه قد نزل بهم ما لا طاقة لهم به فنادوا الغوث. فقال لهم: من أتى إلينا فهو آمن فخرجوا، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قد أمناكم على جميع مالكم إلا السلاح. فأتوا بجميع ما عندهم من السلاح وسلموه للصحابة. فلما رأوا منهم صدق القول أسلموا إلا قليلًا منهم، وعملوا البيعة الكبيرة جامعًا، وأقاموا ثلاثة أيام وتركوا عندهم الحكم بن هشام ومعه عشرة من أصحابه ليعلموهم شرائع الدين، وأتى ضبة ومن معه إلى عياض وأخبره بما جرى ففرح بذلك.
ولم يفتح أهل آمد بابًا ولا باشروا قتالًا وضاق صدر عياض ومن معه من ذلك. ومكثوا خمسة أشهر وكان خالد بن الوليد كما ذكرنا على باب الماء وكان في كل يوم يركب بجيش الزحف ويدور حول المدينة، فإذا أتى الليل نزل في منزله! وكان غلامه همَّام يسير ذات ليلة