للبيعة شيخ عالم بالأديان والشرائع وكان اسمه عبد المسيح، فلما نظر ما حل بالبيعة والقناديل صلَّب على وجهه وكذلك كل من كان فيها، وقالوا لملكهم: أنت ما أردت إلا هلاكنا إذ أدخلت هؤلاء العرب إلينا أما ترى كيف غضب المسيح علينا! فقال البطريق: لا وحق المسيح ما هو إلا توحيدهم لله وذكر نبيهم أظهر لكم من معجزة نبيهم ما رأيتموه! ياويلكم إذا كان قد فتح لهم باب في السور ودخلوا منه علينا فكيف لا تهتز البيعة وتصفق القناديل لما دخلوها، وأنا كنت في شك مما ذكرت والآن فيا طوبى لمن كان على دينهم!
قال الواقدي: وكان هذا خادم بترك بيت المقدس، وكان في المدينة يوم فتحت على يد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وسمع من البترك في بيت المقدس وهو يقول هذا الذي يفتح الأرض في طولها والعرض، ومحمد هو الذي بشر به المسيح ابن مريم، ولقد سأله رجل لما رأى المسلمين يعظِّمون الصخرة ويقبِّلون القدم الذي فيها، فقال للبترك: نرى المسلمين يقبلون قدم المسيح! فقال له: يا بني نحن نقول إنِّه قدم المسيح، وإنِّما هو قدم نبيهم محمد بن عبد الله لما عرج به إلى السماء. قال: أَوَعُرج به؟! فقال: نعم، أُسريَ به من مكة إلى بيت المقدس وصلى بالنبيين.
فلما سمع البطريق ميافارقين هذا الكلام من الحكم بن هاشم قال: والله ما في دينكم مراء وأنتم على الحق، ولقد كنت أسلمت على يد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ببيت المقدس، ثم جئت إلى هذه المدينة وكان عليها وال فمات ووليت الأمر من بعده فرجعت إلى ديني الأول. فإنْ أنا تبتُ إليه ورجعت إلى دينكم أيقبلني على ما ارتكبت من المعاصي؟ فقال له الحكم: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوما لأصحابه"بأي شيء يكون ابن آدم أشد فرحًا فقالوا: بالأهل، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسكت الناس! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يكون ابن آدم أشد فرحًا منه إذا كان في مفازة ومعه راحلته عليها زاده وماؤه ومنافعه. فإذا كان في بعض المفازة اشتد عليه الحر فأوى إلى ظل فنزل عن راحلته وتوسد ذراعه فنام ثم انتبه وقد ذهبت راحلته وعليها طعامه وشرابه وغذاؤه ومنافعه فانطلق في طلبها يمينًا وشمالًا فلم يجدها فرجع إلى موضعه ليموت فيه وقد أيقن بالهلاك فنام، ثم انتبه فوجد راحلته كما هي فأخذ بخطامها"، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن من ذلك الرجل بتلك الراحلة"."
فلما سمع"أسلاغورس"كلام الحكم بن هشام دمعت عيناه وأخذهم إلى دار ولايته وقال: والله لقد بان الحق وظهر الصدق! فأسلم وحسن إسلامه، وطلب جماعته فأسلموا بأجمعهم. ثم إنه طلب أكابر البلد وأخبرهم بإسلامه وقال لهم: إنِّي أريد منكم ما أريده لنفسي، وإن