نفسه لله - عز وجل - وكأنكم بإخوانكم المسلمين قدموا عليكم مع أبي عبيدة بن الجراح، ثم بعد ذلك استقبل الجيش وصرخ بملء رأسه فأرعب المشركين من صرخته وحمل شرحبيل بن حسنة وعبد الرحمن بن أبي بكر وضرار بن الأزور، ومذ حمل ضرار لم يول عنهم بل قتل من الميمنة خمسة فرسان ومن الميسرة كذلك. ثم حمل ثاني مرة فقتل منهم ستة فرسان، ولولا سهام القوم لما رد عن قتالهم فشكره خالد بن الوليد وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنه: احمل بارك الله فيك.
فحمل عبد الرحمن وفعل كما فعل ضرار بن الأزور وقاتل قتالًا شديدًا. ثم حمل من بعده خالد بن الوليد ورفع رمحه وأرى العسكر من أمور الحرب حتى جزع الروم من شجاعته. فلما نظر إليه البطريق كلوس علم أنه أمير الجيش وعلم أنه يقصده فتأخر كلوس إلى ورائه من مخافته. فلما نظر خالد إلى قهقرة كلوس إلى ورائه حمل عليه ليرده فوقعت عليه البطارقة ورموه بالسهام فلم يلتفت إليهم خالد، ولم يعبأ بهم ولم يرجع حتى قتل عشرين. ثم انثنى بجواده بين الصفين وجال بجواده بين الفريقين وطلب البراز فلم يجبه أحد، وقالوا: أخرجوا غيره منكم. فقال: ويلكم ها أنا رجل واحد من العرب وكلنا في الحرب سواء! فما منهم من فهم كلامه، فأقبل عزازير على كلوس، وقال: أليس الملك قد قدمك على جيشه وبعثك إلى قتال العرب؟! فدونك حام عن بلدك ورعيتك.
فقال كلوس: أنت أحق مني بذلك لأنك أقدم مني، وقد عزمت أنك لا تخرج إلا بإذن الملك هرقل فما بالك لا تخرج إلى قتال أمير العرب. فقال لهما العساكر: تقارعا فمن وقعت عليه القرعة فلينزل إلى قتال أمير العرب. فقال كلوس: لا بل نحمل جميعًا فهو أهيب لنا، قال: وخاف كلوس أن يبلغ الملك ذلك فيطرده من عنده أو يقتله. قال: فتقارعا فوقعت القرعة على كلوس. فقال عزازير: اخرج وبين شجاعتك، فقال كلوس لأصحابه: أريد أن تكون همتكم عندي، فإن رأيتم مني تقصيرًا فاحملوا وخلِّصوني. فقال أصحابه: هذا كلام عاجز لا يفلح أبدًا! فقال: يا قوم إن الرجل بدوي ولغته غير لغتي فخرج معه رجل اسمه جرجيس، وقال له: أنا أترجم لك فسار معه. فقال كلوس: اعلم يا جرجيس أن هذا رجل ذو شجاعة فإن رأيته غلبني فاحمل أنت عليه حتى نقضي يومنا معه، ويخرج له غدًا عزازير فيقتله ونستريح منه وأتخذك أنا صديقي. فقال له: ما أنا أهل حرب، وإنما أخوفه بالكلام. فسكت وسارا حتى قربا من خالد فنظر إليهما.