قال الواقدي: ووصلت الأخبار إلى الملك هرقل وما فتح خالد من الشام، وكيف قدم على دمشق فغضب وجمع البطارقة وقال: يا بني الأصفر، لقد قلت لكم وحذرتكم فأبيتم وهؤلاء العرب قد فتحوا أركة وتدمر والسخنة وبصرى، وقد توجهوا إلى الربوة ففتحوها فواكرباه لأن دمشق جنة الشام وقد سارت إليها الجيوش وهم أضعاف العرب، ثم قال: أيكم يتوجه إلى قتال العرب ويكفيني أمرهم، فإن هزمهم أعطيته ما فتحوه ملكًا؟ فقال بطريق من البطارقة اسمه كلوس بن حنا، وكان من فرسانهم، وقد عرفت شجاعته في عساكر الروم والفرس: أيها الملك أنا أكفيك وأردهم على أعقابهم منهزمين. فلما سمع الملك قوله سلم إليه صليبًا من الذهب وقدمه على خمسة آلاف فارس، وقال له: قدم صليبك أمامك فإنه ينصرك.
فأخذه كلوس وسار من يومه من أنطاكية إلى أن وصل حمص فوجدها مزينة بالسلاح، فلما بلغ أهلها قدومه خرجوا إلى لقائه، وقد خرجت القسس والرهبان واستقبلوه ودعوا له بالنصر وأقام بحمص يومًا وليلة، ثم ارتحل إلى مدينة بعلبك فخرج إليه النساء لاطمات الخدود وقلن: أيها السيد إن العرب فتحوا أركة وحوران وبصرى، فقال لهن: كيف قدرت العرب على حوران وبصرى؟. فقلن: أيها السيد إن الذين ذكرتهم لم يبرحوا من أماكنهم، وإن هذا الرجل قد أقبل من العراق، وهو الذي فتح أركة. فقال: وما اسمه؟ قلن: خالد بن الوليد. قال: في كم يكون من العساكر؟ قلن: في ألف وخمسمائة فارس. فقال: وحق المسيح لأجعلن رأسه على رأس سناني. ثم رحل فلم ينزل إلا بدمشق، وكان واليها بطريقًا من قبل الملك هرقل اسمه عزازير، فلما قدم كلوس اجتمع عليه عزازير وأصحابه وقرأوا عليهم منشور الملك، ثم قال لهم: أتريدون أن أقاتل عدوكم وأصده عن بلادكم؟ قالوا: نعم. فقال: أخرجوا عزازير عنكم حتى أكون وحدي في هذا الأمر. فقالوا: أيها السيد وكيف ينبغي أن يخرج صاحبنا من بلدنا، وهذا العدو قاصد إلينا؟ فغضب عزازير في وجه كلوس من كلامه، وقد اتفق رأيهم على أن كل واحد يقاتل العرب يومًا فثبتت عداوة عزازير في قلب كلوس.
قال الواقدي: ولقد بلغني أنهم كانوا يخرجون كل يوم من باب الجابية مقدار فرسخ ينظرون قدوم أبي عبيدة بن الجراح فلم يشعروا حتى قدم إليهم خالد بن الوليد من نحو الثنية، قال: حدثنا يسار بن محمد. قال: أخبرنا رفاعة بن مسلم قال: كنت في جيش خالد بن الوليد لما نزل على الدير المعروف به، وإذا بجيش الروم قد زحف علينا وهو كالجراد المنتشر، فلما نظر خالد ذلك تدرع بدرع مسيلمة، ثم صرخ في وجه المسلمين. وقال: هذا يوم ما بعده يوم، وهذا العدو قد زحف بخيله فدونكم والجهاد فانصروا الله ينصركم وكونوا ممن باع