وانعطف الجيش إلى عمرو بن العاص وحدَّثوه بما جرى ففرح وحمد الله تعالى، ثم دعا بالأسرى واستنطق منهم بالعربية فما كان فيهم غير ثلاثة نفر من أنباط الشام فسألهم عن خبرهم وخبر أصحابهم فقالوا: يا معشر العرب إن هذا روبيس قد أقبل في مائة ألف فارس، وقد أمره الملك أن لا يدع أحدًا من العرب يصل إيليا .. وإنه بعث بهذا البطريق طليعة، وقد قتل وكأنكم به. فقال عمرو: إن الله يقتله كما قتل صاحبكم، ثم عرض عليهم الإسلام، فما أحد منهم أسلم. فقال عمرو للمسلمين: كأنكم بصاحبهم، وقد أتى يأخذ ثأرهم وهؤلاء تركهم علينا بلاء، ثم أمر بضرب أعناقهم، وصاح بالمسلمين استعدوا فإني أظن أن القوم سائرون، فإن أتوا إلينا فهم في شدة وقوة وسنلقى منهم تعبًا في القتال وإن سرنا إليهم نرجو من الله النصر والظفر بهم كما ظفرنا بغيرهم وما عودنا الله إلا خيرًا.
قال أبو الدرداء: وبتنا مكاننا. فلما جاء الله بالصباح رحلنا فما بعدنا غير قليل حتى أشرفت علينا عشرة صلبان تحت كل صليب عشرة آلاف فارس. فلما أشرف الجيش على الجيش أقبل عمرو ورتب أصحابه وجعل في الميمنة الضحاك وفي الميسرة سعيدًا، وأقام على الساقة أبا الدرداء وثبت عمرو في القلب ومعه أهل مكة، وأمر الناس يقرأون القرآن. وقال لهم: اصبروا على قضاء الله وارغبوا في ثواب الله وجنته، ثم إنه جعل يصفّهم ويعبيهم تعبية الحرب ونظر"روبيس"بطريق الروم إلى عسكر المسلمين، وقد صفّهم عمرو بن العاص لا يخرج سنان عن سنان ولا عنان عن عنان ولا ركاب عن ركاب، وهم كأنهم بنيان مرصوص، فشم منهم رائحة النصر وتبين من نفسه الجزع، وعلم أن كل من معه كذلك فوقف ينظر ما يكون من المسلمين وانكسرت حميته.
وكان أول من برز من جيش المسلمين سعيد بن خالد - رضي الله عنه -، وهو أخو عمرو بن العاص من أمه. فلما برز نادى برفيع صوته: ابرزوا يا أهل الشرك، ثم حمل على الميمنة فألجأها إلى الميسرة، وحمل على الميسرة فألجأها إلى الميمنة وقتل رجالًا وجندل أبطالًا، ثم اقتحم فيهم فشوشهم وزعزع جيشهم. فاجتمعوا عليه فقتلوه رحمة الله عليه. فحزن المسلمون على قتله حزنًا عظيمًا وأكثرهم عمرو بن العاص. وقال: واسعيداه! لقد اشترى نفسه من الله - عز وجل -. ثم قال: يا فتيان من يحمل معي هذه الحملة حتى ننظر ما يكون من أمرها وأنظر حال سعيد. فأسرع بالإجابة ذو الكلاع الحميري وعكرمة بن أبي جهل والضحاك والحارث بن هشام، ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - أجمعين. قال عبد الله: وكنَّا