سبعين رجلًا، وحملنا حتى دنونا من القوم وهم لا يفكرون في حملتنا لأنهم جبال من حديد.
قال الواقدي رحمة الله عليه: فلما رأى المسلمون ثبات الروم صاح بعضنا ببعض: ابعجوا دوابهم فما هلاكهم غير ذلك! فبعجنا دوابهم بالأسنة فتنكسوا فبعد انتكاسهم تفرَّق بعضهم عن بعض وحملوا علينا وحملنا عليهم، وكنَّا فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وكان شعارنا يوم فلسطين: لا إله إلا الله محمد رسول الله. يا رب انصر أمة محمد! - صلى الله عليه وسلم - قال أبو الدرداء: فلقد شغلتني الحرب عن مناشدة الأشعار، ولقد كان أحدنا لا يدري أهو يضرب أخاه أو عدوه من كثرة القتام فثبت المسلمون مع قلتهم وفوضوا أمرهم إلى الله - عز وجل -.
قال عبد الله بن عمر: فلم تزل الحرب بيننا إلى وقت الزوال وهبت الرياح والناس في القتام إذ نظرت إلى السماء وقد انفرج فيها فرج وخرجت منها خيول شهب تحمل رايات خضر أسنتها تلمع ومناد ينادي بالنصر أبشروا يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد أتاكم الله بالنصر. فما كان غير قليل إذ نظرت إلى الروم منهزمين، والمسلمون في أعقابهم لأن خيل العرب أسبق من خيل الروم. قال ابن عمر: فقتلنا في هذه الواقعة قريبًا من خمسة عشر ألف فارس وأكثر ولم نزل في آثارهم إلى الليل وعمرو بن العاص قد فرح بالنصر وقلبه متعلق بالمسلمين لإسراعهم وراء العدو، وقال عمرو بن غياث: فنظرت إلى عمرو بن العاص والراية في يده، وقد أوفى القناة على عاتقه وهو يعركها بيده ويقول: من يرد الناس عليَّ رد الله عليه ضالته؟ إذ نظرت العرب قد عطفت راجعة كعطفة الأم على ولدها فاستقبلهم عمرو، وهو يقول: هنيئًا لهذه الوجوه التي تعبت في رضا الله تعالى أما كان لكم كفاية في أن خولكم الله حتى اتبعتم العدو؟! فقالوا: ما أردنا الغنيمة، بل القتال والجهاد!
ولما رجع المسلمون لم يكن لهم همَّة إلا افتقاد بعضهم بعضًا، ففقد من المسلمون مائة وثلاثون رجلًا ختم الله لهم بالسعادة منهم سيف بن عبادة ونوفل بن دارم والأهب بن شداد والباقي من اليمن ووادي المدينة. فاغتمَّ عمرو لفقدهم، ثم راجع نفسه وقال: قد نزل بهم خير، وأنت يا عمرو تأبى ذلك! ثم ندب الناس إلى الصلاة كما أمره أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فصلى ما فاته كل صلاة بأذان وإقامة. قال ابن عمر: ما صلى خلفه إلا قليل، بل صلى الناس في رحالهم من تعبهم ولم يجمعوا من الغنائم إلا القليل وبات الناس. فلما أصبح عمرو أذَّن وصلى بهم وأمر الناس بجمع الغنائم وأن يخرجوا إخوانهم المؤمنين من الروم فجعلوا يلتقطونهم. فأخرجوا مائة وثلاثين رجلًا ووجدوا سعيد بن خالد، فلما نظر عمرو إلى ما نزل