فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 611

السير بقية يومه إلى الصباح، وإذا بغبرة القوم قد لاحت. فقال عبد الله بن عمر: هذه غبرة عسكر وأظنها طليعة القوم، ثم وقف ووقف أمامه أصحابه. فقال قوم من البادية: اتركنا نرى ما هذه الغبرة. فقال: لا تتفرقوا من بعضكم حتى نرى ما هي. فوقف الناس، وإذا بالغبرة قد قربت وانكشفت عن عشرة آلاف من الروم وقد بعث معهم روبيس بطريقًا من أصحابه، وكانوا قد ساروا يكشفون خبر المسلمين. فلما نظرهم عبد الله بن عُمَر قال لأصحابه: لا تمهلوهم لأنهم لابد لهم منكم، والله ينصركم عليهم. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف.

فأعلن القوم بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. فلما جهروا بها أجابهم الشجر والمدر والدواب والحجر، وكان أول من حمل عكرمة بن أبي جهل وتبعه سهل بن عمرو والضحاك أيضًا بالجملة وصاح في رجاله وحمل المهاجرون والأنصار معهم، والتقى الجمعان، وعمل السيف في الفريقين. قال عبد الله بن عمر: وبينما أنا في الوقعة إذ نظرت من القوم بطريقًا عظيم الخلقة وهو كالحائر البليد، وهو يركض يمينًا وشمالًا، فقلت: إن يكن لهذا الجيش عين فهذا عين الجيش وصاحب الطلائع وهو مرعوب من الحرب. فلما حملت عليه ومددت قناتي إليه، نفر فرسه من الرمح فقربت منه وأوهمته أني أريد الانهزام، ثم عطفت عليه وطعنته، فوالله لقد خيل لي أنَّي ضربت بسيفي حجرًا، وسمعت طنين السيف حتى حسبت أن سيفي انفصل، وإذا هو صريع! ثم عطفت عليه وأخذت لأمته. فلما رأى المشركون صاحبهم مجندلًا داخلهم الفزع والهلع وصدمهم المسلمون في الضرب والقتال فلله در الضحاك والحارث بن هشام، لقد قاتلا قتالًا شديدًا ما عليه من مزيد، فما كان غير قليل حتى انهزم الكفار من بين أيديهم هاربين. فرجع المسلمون واجتمع بعضهم على بعض وجمعوا الغنائم والأموال. وقال بعضهم لبعض: ما فعل الله بعبد الله بن عمر؟ قال قائل منهم: الله خبير بحسن زهده وعبادته. وقال آخرون: لقد أصبنا بابن عمر فما كان يساوي هذا الفتح شعرة من رأسه.

قال عبد الله بن عمر: وأنا مع ذلك أسمع كلامهم خلف الراية. فأعلنت بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير، وهززت الراية. فلما نظر المسلمون الراية سارعوا إليَّ وقالوا: أين كنت؟ فقلت: اشتغلت بقتال صاحبهم فقالوا: أفلح والله وجهك فهذا والله فتح قد رزقنا الله إياه ببركتك. قال عبد الله: وبوجوهكم، ثم حازوا الأموال والغنائم والخيل وستمائة أسير وقتل من المسلمين سبعة نفر فواروهم وصلى عليهم ابن عمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت