أنَّه فوقَ الحجِّ والجهاد وفوقَ كلِ برٍّ واجتهاد فإنْ زعمتَ أنّ ذلك كلّه سواءٌ طالت الخُصومةُ معَك وشغلْتنا بهما عمّا هو أولى بِنا فيك على أنَّك إذا عَممْتَ ذلك كلَّه بالذمِّ وجَلَّلته بالعيب صارت المصيبةُ فيك أجلَّ والعزاءُ عنها أعسر وإن زعمتَ أنَّ ذلك إنَّما جاز لأنَّهم لم يذهبُوا إلى أثمان الأعيان في الأسواق وإلى عظم الحجم وإلى ما يروقُ العينَ ويلائِمُ النفس وأنَّهم إنَّما ذهبوا إلى عاقبة الأمر فيه وإلى نتيجتِه وما يتولَّد عنه من علم النِّهايات ومن باب الكلِّ والبعْض وكان ويكون ومن باب ما يحيط به العلم أو ما يفضل عنه ومن فَرقِ ما بين مذاهب الدُّهريَّة ومذاهب الموحِّدين فإن كان هذا العذْرُ مقبولًا وهذا الحكم صحيحًا فكذلك نقول في الكلب لأنَّ الكلبَ ليس له خطرٌ ثمين ولا قَدْر في الصدرِ جليل لأنَّه إن كان كلبَ صيد فديتُه أربعون دِرهمًا وإن كان كلب ضَرْعٍ فديتُه شاة وإن كان كلبَ دارٍ فديتُه زِنبيلٌ من ترابٍ حُقَّ على القاتل أَن يؤدِّيَه وحُقَّ على صاحبِ الدار أن يقبلَه فهذا مقدارُ ظاهِر حاله ومُفتَّشِه وكوامِنُ خِصاله ودفائِنُ الحكمةِ فيه والبرهاناتُ على عجيب تدبير الربِّ تعالى ذكرُه فيه على خلاف ذلك فلذلك استجازُوا النَّظَر في شأنه والتمثيلَ بينَه وبين نظيره وتعلم أيضًا مع ذلك أنَ الكلبَ إذا كانَ فيه مع خُموله وسقوطِه مِن عجيبِ التدبير والنعمةِ السابغةِ والحكمةِ البالغة مثلُ هذا الإنسان