الصفحة 19 من 56

وقد بنى القرافي رؤيته هذه على تصوره للفروق بين الخبر والإنشاء، والتي بلغت عنده أربعة وجوه نجتزئ منها بوجهين:

-الأول: أن الإنشاء سببٌ لمدلوله، والخبر ليس سببا لمدلوله، فإن العقود سبب لمدلولاتها بخلاف الأخبار.

-الثاني: أن الإنشاءات تتبعها مدلولاتها، والأخبار تتبع مدلولاتها وتبعية مدلولات الإنشاء للإنشاء تحمل على أن بعض الأفعال الكلامية كالطلاق والملكية، مثلا إنما يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع، وأما أن الخبر تابع لمَخبره ... فقولنا:"قام زيد"، تبعٌ لقيامه في الزمن الماضي، وقولنا:"هوقائم"تبعٌ لقيامه في الحال، وقولنا:"سيقوم"تبعٌ لتقرير قيامه في المستقبل [1]

ويوضّح القرافي أن هذه التبعية"ليست تبعية في الوجود، وإلا لما صدق ذلك إلا للماضي فقط، فإن الحاضر مقارِن، فلا تبعية لحصول المساواة، والمستقبل وجوده بعد الخبر، فكان متبوعا لا تابعا [2] وتكون حصيلة هذا الإيضاح النظري أن مصداق الخبر في الواقع الخارجي سابق عليه، وأن مصداق الإنشاء في الواقع الخارجي لاحق له، ولا شك في أن هذه الرؤية تتفق مع معيار من معايير التمييز بين الأسلوبين، وهوما نسميه معيار"إيجاد الإنشاء لنسبته الخارجية دون الخبر"."

الصيغة اللغوية لفعل"الشهادة"مقارنة بغيرها من صيغ العقود [3]

(1) . الفروق، ج 1، ص 96

(2) . نفس المصدر، ج 1، ص 96.

(3) . وهوما يعبر عنه بعض المعاصرين بـ"قرينة الصيغة"وهي من"القرائن اللفظية". انظر: تمام حسان اللغة العربية معناها ومبناها، ص 192

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت