قد يتحول"الفعل الكلامي الشهادي"إلى إنشاء صريح، فيصير مقابلا وقسيما لظواهر كلامية ثلاث هي:"الخبر"، و"الرواية"، و"الإخبار عن الإنشاء"، فيكتسب صفة"الإنشائية"، ويعامل معاملة الإنشاء عند القرافي،"فإذا قال الشاهد: أشهد عندك أيها القاضي بكذا ... كان إنشاء، ولوقال: شهدتُ ... لم يكن إنشاء [1] ، وكل هذا بسبب الصيغة اللغوية التي تعبر عن"فعل الشهادة"، وهي ميزة ليست خاصة، فيما يبدو، بهذا الفعل، لأن القرافي يقرر أن أفعالا كلامية أخرى، مثل"فعل البيع"و"فعل الطلاق"، تؤثر صيغها في إيقاعها الإنجازي، ومن ثم لا يقول بتوحيد صيغ الأفعال الكلامية، كما يذهب إليه أوستين وغيره من المعاصرين، وكما وضع له هذا الأخير بعض القواعد المسطرية، فيقرر القرافي أن العكس يقع في"الفعل البيعي"، مبديا الإيضاح الآتي:"وعكسه في البيع، لوقال: أبيعك لم يكن إنشاء للبيع بل إخبار لا ينعقد به بيع، بل وعدٌ بالبيع في المستقبل، ولو قال: بعتك، كان إنشاء للبيع، فالإنشاء في الشهادة بالمضارع وفي العقود بالماضي، وفي الطلاق بالماضي واسم الفاعل، نحو: أنتِ طالق، وأنتَ حر ... ولا يقع الإنشاء في البيع والشهادة باسم الفاعل، ولوقال: أنا شاهدٌ عندك بكذا وأنا بائعُك بكذا ... لم يكن إنشاء. [2]
ومن المناسب أن نذكر هنا، من فوائد هذا النص، ما يساعد على تصور بعض الأبعاد والخصائص التداولية لمباحث علماء أصول الفقه، ممثلين في نموذج جيد هوشهاب الدين القرافي، ونعتقد أن ذلك مما يؤيد
(1) . نفس المصدر، ج 4، ص 1190
(2) . المصدر السابق، ج 4، ص 1189.