الصفحة 17 من 56

المتكلم قال أمام القاضي:"قد أخبرتك أيها القاضي بكذا كان كذبا، لأن مقتضاه تقدم الإخبار منه ولم يقع، فالمستقبل وعد، والماضي كذب [1] ، فالمعيار الذي يحكم الفرق بين الأمرين هوأنّ درجة من الرسمية تقتضيها الشهادة، وليست تلك"الرسمية"من مقتضيات الخبر، ونسجّل، من قراءتنا لهذا النص، صرامة القرافي في استخدام هذا المعيار."

ومن مواطن التشابه بين سيرل والقرافي، أن كليهما يلح على حقيقة واحدة، عبّر عنها القرافي بقوله:"اقتضاء الشهادة إنشاءَ الخبر (أي في الحال) ، وسماها سيرل"نمط الإنجاز" (Achievement Mode of) ، وأما الفرق - في التغير الذي يلحق"الفعل الكلامي"- بينهما فهوالفيلسوف الأمريكي المعاصر يعده فرقا إنجازيا، لا يغير من هُوية الفعل الكلامي وطبيعته، ولكن يؤثر في"قوته الإنجازية"، أما القرافي فيرى أنه يغير من دوره في"الإفادة"، ومن ثَمَّ في التأثير في الأحكام، أي يؤثر في طبيعة الفعل الكلامي نفسه فيكون تارة"رواية"، وتارة"شهادة"، وتارة"خبرا"، وعلى الرغم من التقارب بين الرؤيتين فإنه يبدوأن رؤية القرافي الفقيه كانت، في هذه النقطة، أوغل في التداولية من رؤية الفيلسوف سيرل."

ويذهب القرافي إلى أبعد من هذا، حين يدقق في هوية هذا الفعل الكلامي الذي هو"الشهادة"، فيصر على تمييزه عن كل من"الخبر"و"الراوية"، ويجعله قريبا من الإنشاء، موضحا أنه"لا يجوز لأجل هذه الاحتمالات الاعتماد على شيء من ذلك إذا صدر من الشاهد، فالخبر كيفما تقلب لا يجوز الاعتماد عليه، بل لا بد من إنشاء الإخبار عن الواقعة"

(1) . نفس المصدر، ج 4، ص 1189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت