سرحت الشريعة لفكر الناس أن يخترع ويُوجِد ما لم يكن له مثال سابق 0 فقد جاء هذا واضحا في قول نبي الله هود-عليه السلام- و هو يتحدث مع قومه:"قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها" [1] ، فقوله:"واستعمركم فيها"، أي طلب منكم أن تستعمروها بالبناء و الزراعة وغير ذلك 0 وجاء في الحديث عن عائشة و أنس:"أنتم أعلم بأمور دنياكم، وما كان من أمر دينكم فإليّ، و في لفظ آخر:"إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به" [2] 0 فالنبي - صلى الله عليه وسلم -، حظر عن الابتداع في أمر الدين، وسمح بالابتداع في أمر الدنيا، وهو ما استغلق فهمه على بعض الناس 0 ويعني"بأمور دنياكم": الاختراعات التي تجر تقدما في مجال الطب والهندسة والمعمار، وسائر العلوم التجريبية و شؤون الدنيا إلخ 0"
ومن ضيق العطن و التحجر أن يحشر بعض الناس أمثال الساعة اليدوية والثلاجة والمروحة والطائرة ومكروفون (مكبر الصوت) ، و أن يترك الناس ركوب السيارات إلى ركوب الجمال و الحمار، و 00 و 00 في عداد البدعة، ليبرروا الابتداع في الدين 0 وهو - بالحق- تفكير صبياني طائش!
ونظرية تقسيم البدعة إلى"حسنة"و"سيئة"نظرية خاطئة 0 فليس في الدين بدعة تستحسن، كما هو صريح الحديث السابق 0 و أوضح ذلك عبد الله بن عمر، المعروف بالالتزام المطلق للسنة، في قوله -رضي الله عنه-:"كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة" [3] 0
وكذلك نظرية تقسيم البدعة إلى خمسة: البدعة الواجبة، والمندوبة، والمباحة، والمكروهة، والمحرمة، إنه تقسيم مرفوض 0 ونلاحظ عليه أن ما كان واجبا بحكم الاجتهاد الحقيقي في حينه ومحله يكون واجبا قطعا، وكذلك ما دلت عليه الدلالة الواضحة على مندوبيته أو كونه مباحا، من غير أن تضاف كلمة البدعة إليها 0 والشأن-كذلك- في الحرام والمكروه 0 على أني أتوقع في
(1) 103 - هود:61، و ينبغي أن يراجع: القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد (ت:671 هـ) ، الجامع لأحكام القرآن، و المبين لما تضمن من السنة و آي الفرقان، مصر: مطبعة دار الكتب المصرية، ط الثانية 1936 هـ، (9/ 56) ، و الجصاص، أحكام القرآن، (3/ 213) ، و ابن الجوزي، زاد المسير، (4/ 98) ، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مكة المكرمة: المكتبة التجارية ـ بيروت: دار الفكر، 1407 هـ ـ 1986 م، (2/ 466) فقد أيدوا الوجهة التي تدل على أن"استعمركم"فعل أمر 0
(2) 104 - مسلم، الجامع الصحيح، (15/ 166 - نووي) ، و ابن ماجه (2/ 825/2471) ، و مسند أحمد (3/ 152 و 6/ 123)
(3) 105 ـ اللالكائي: شرح اعتقاد أصول أهل السنة، (2/ 26) ،