وجاءت المعتزلة والشيعة وبعض الطوائف، فقالوا إن أحاديث الآحاد لا تقبل في مجال العقيدة 0 فهذه مغالاة ظاهرة، وطرح لعدد كبير من الأحاديث بدونما برهان 0 فإن عصر الصحابة والتابعين خال عن كل أمثال هذه التساؤلات الهجينة: هل هذا متواتر أو آحاد؟ فقد كانوا يقبلون النصوص قبولا من الثقات في المجالات العقدية والعبادية، وفي كل شئ، بدون التفريق بين ما رواه العدد الغفير أو العدد القليل!
والعبارة بأن حديث الآحاد لا يُقبل لإثبات"العقيدة"عبارة غامضة، فماذا يعنى بـ"إثبات العقيدة"؟ أ يُعنى أسسُ العقيدة نحو إثبات وحدانية الله، ووجود الملائكة والجنة والنار مما هو أصول وأسس للعقيدة، أم يُعنى بها فروع العقيدة كإثبات اليد لله والعين والساق والعلو على العرش لله سبحانه و تعالى و نظائرها؟
فإن كان الأول هو المراد، فلا ريب أن حديث الآحاد لا يؤسس أصلا من أصول العقيدة، كأن يأتي حديث آحادي و يؤسس شيئا لم يعهد في الإسلام في شئ، كأن يقول إن هناك-مثلا-نبيا بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - 0 فمثل هذا يرفض قطعا 0 وأما أن يأتي حديث بفرع من فروع العقيدة فلا يجدر الشك في قبوله و العمل به عقيدةً و شريعةً 0
و يبدو لي أن هذه العبارة"لا يقبل الآحاد في إثبات العقيدة"كان المتكلمون الأوائل يستعملونها في محاوراتهم لنقض مزاعم اليهود والنصارى والمانوية وغيرها من فِرَق الشرك 0 فلما طال الأمد جاء المتأخرون واستعملوها خطأ في مقابل ما يسوقه المسلمون بينهم من النصوص الشرعية الآحادية في شرح العقيدة و الشريعة، بدل استعمالها ضد تلك الطائف الزائغة، فعاد الأمر رأسا على عقب، وانقلب السلاح ضد المتسلح به 0