الآيات المذكورة ومثيلاتها الكثيرة مثل قوله تعالى:"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [1] ، كلها تدعو إلى إعمال الفكر والتأمل الدقيق في الأنفس والآفاق، لا ريب أنها تشدو الانتباه إلى أهمية العلوم الشرعية (أمثال علوم القرآن والحديث والفقه واللغة) ، والعلوم الحديثة (الإنسانية والاجتماعية والطبيعية) جنبا لجنب، ما دام أن هذه العلوم، خاصة وبالتأكيد الأخيرة الذكر، مدروسة بهدف إثبات اسم الرب الذي خلق الإنسان من علق، على كل مظهر من مظاهر الحياة 0 وما دام-كذلك-أنها مستخدمة في سبيل التوجه الحثيث الصحيح إلى دين الله الحنيف، وتطبيق شريعته الغراء على كل مرفق من مرافق الحياة، وخدمة الأمة المسلمة، والإنسانية جمعاء 0
لقد قضى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يقرب ربع قرن يشرح الحقائق الإيمانية، بل إن مدة حياته كلها خطوة خطوة حياة علمية، يجلو في مراحلها و أدوارها المختلفة في منشط ومكره، رسالتَه الإسلاميةَ نقطةً نقطةً، شرحا يتناسب مع الظروف والأحوال، فيجئ تارة مبسطا، وتارة أخرى موجزا، على قدر ما يظهر المقصود و يستوعبه الحضور 0 قال الله تعالى:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" [2] 0 وقال:"وما على الرسول إلا البلاغ" [3] 0 وقال:"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" [4] 0
ولقد مارس - صلى الله عليه وسلم - بالفعل الجاد هذا التكليف وقام بتوضيح مبين، وتفصيل بلاغي رصين، حتى كاد تكون كلمته الختامية في أواخر جُلّ مجالسه وخُطبه:"ألا هل بلغتُ؟! بل يكثر يقول:"إنكم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون؟"، يكثر قولها في المحافل على رؤوس الملأ الأشهاد بعد توضيح جزئية أو جملة جزئيات رسالية 0 فيجيب الحضور فور ذلك باطمئنان بالغ:"نعم، نشهد أنك بلغتَ وأديتَ ونصحتَ"، فيردف بالقول في سُكون:"اللهم
(1) 16 - فصلت:53
(2) 17 - المائدة:67
(3) 18 - المائدة:99
(4) 19 - النحل:44