لا يملك أن يستغفر لأحد أو يهدي أحدًا، فالصالحون من باب أولى، ففيه الرد على عُبّاد القبور، وإذا كانت هذه فكرة الباب، فإنه قد سبق أن ذكرها المصنف في باب {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] فإنه عرض لنفس الفكرة.
المسألة الثانية: في شرح الترجمة:
إنك لا: لا: نافية، والمنفي عدم الهداية، فكيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ؟
قبل أن نذكر الجمع هناك قاعدة «إذا تعارضت النصوص بالنسبة لطالب العلم فهي تتعارض باعتبار نظره لا باعتبار الواقع» .
فما هو العمل؟
الجمع لأن الجمع فيه إعمال للنصين بقدر الإمكان. قال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] .
والجمع له عدة طرق:
1 -أن يحمل أحد النصين على شخص والآخر على شخص، كقوله - صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر» ، وثبت من فعله أنه صام في السفر، فيحمل عدم الصيام على العاجز، والذي يصوم هو القادر.
2 -أن تحمل هذه على حالة، وهذه على حالة.
3 -العام والخاص، فيعمل بالعام ويخرج منه أحد أفراده بالدليل الثاني.
ومثله المطلق والمقيد، فيعمل بالمطلق؛ إلا في الجانب الذي فيه التقييد.
فإذا تعذر الجمع بهذه الطرق، فإننا نلجأ إلى النسخ، فيؤخذ أحد النصين ويترك الآخر بشرطين:
1 -أن يتعذر الجمع بوجه من الوجوه.
2 -أن يعلم المتقدم من المتأخر.
فإذا لم نعرف التاريخ انتقلنا إلى الترجيح، والترجيح تأخر عن النسخ، ونتيجته باعتبار الواقع مثل النسخ، فأنت تترك نصًا وتأخذ الآخر، وكذا في النسخ معك حجة أقوى؛ لأنك تركت أحد النصين.
وجوه الترجيح كثيرة:
1 -أن يكون أحد الحديثين أصح من الآخر، فيؤخذ ما كان أقوى باعتبار السند من الثاني.
2 -أو يكون أحدهما صاحب القصة والآخر راويًا عنه، كقصة زواج ميمونة وقولها أن النبي تزوجها وهو حلال، فرُجَّح على قول ابن عباس أنه تزوجها وهو حرام.
ثم بعد ذلك يتوقف.
قوله - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] فهنا نجمع ونحمل الهداية المثبتة على هداية البيان والإرشاد.
فالهداية المنفية هي هداية التوفيق والقبول والإيمان بالقلب.