مات على غير هذا فليس مني»».
وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار» .
وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: «لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار» . قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه.
قال الشارح:
المسألة الأولى: نبذة تاريخية عن منكري القدر:
وقعت هذه البدعة الاعتقادية بعد عصر الخلفاء الراشدين، وعاصرت متأخري الصحابة كابن عمر، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وهم الذين وردت أحاديثهم في هذا الباب. وأول من أظهرها بالبصرة معبد الجهني، فهو الذي تبناها وانتشرت من بعده.
المسألة الثانية:
هذا الباب يتعلق بتوحيد الربوبية وهو خلق الله وتصرفه، ويتعلق بالأسماء والصفات في صفة العلم والمشيئة.
المسألة الثالثة: منكرؤ القدر على قسمين:
القسم الأول: غلاتهم، وهم الذين ينكرون القدر بمراتبه الأربع، فينكرون علم الله للأشياء، أي أنه لا يعلمها حتى تقع، ويلزم منه إنكار بقية المراتب. وهؤلاء هم الذين عاصروا ابن عمر وسئل عنهم، وهم الذين كفرهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد.
وقالوا: ناظروهم بالعلم: فالألف واللام للعهد، أي علم الله بالأشياء هل يعلمها أم لا، كمناظرتهم بقوله تعالى: {إنَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمً} [الأنفال: 75] وقوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ... } [الأنعام: 598] ويوضعون بين خيارين: فإن أقروا بعلم الله خصموا، وإن أنكروا كفروا.
وأدلة هذا القسم هي الأحاديث التي ذكرت في الباب.
القسم الثاني: جمهور المعتزلة، وهم الذين أقروا بعلم الله، فأثبتوا المرتبة الأولى وهي العلم، وأثبتوا مرتبة الكتابة، ولكن أنكروا مرتبة الخلق والمشيئة.
والظاهر أنه ليس في كل شيء، وإنما أنكروا الخلق والمشيئة فيما يتعلق بأفعال العباد فقالوا: عن أفعال العباد لم يشأها الله ولم يخلقها، وإنما خلقها الإنسان.
وهؤلاء بدّعهم الأئمة وفسقوهم وضللوهم، وفي تكفيرهم قولان للسلف.
المسألة الرابعة: شرح الترجمة:
قوله منكري: مر علينا أنهم على قسمين: إنكار كلي وهو إنكار غلاتهم، وإنكار جزئي وهو إنكار جمهور