(الجواب) أن نقول الشخص الذي يحب جملة هو من آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام، ومبانيه العظام، علمًا وعملًا واعتقادًا وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه ورسوله وأحب في الله ووالى في الله وأبغض في الله وعادى في الله وقدم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قول كل أحد كائنًا من كان إلى غير ذلك من القيام بحقوق الإسلام وشرائعه. وأما الذي يحب جملة من وجه ويبغض جملة من وجه آخر فهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح وهلاكه أقرب إليه من أن يفلح.
وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار وهو رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يشرب الخمر فأتي به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ) )مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة وما فيها من الفوائد فإنه هاجر إلى الله ورسوله وجاهد في سبيله لكن حدث منه أنه كتب بسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم بشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسيره لجهادهم ليتخذ بذلك يدًا عندهم يحمي بها أهله وماله بمكة فنزل الوحي بخبره وكان قد أعطى الكتاب ظعينة جعلته في شعرها فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليًا والزبير في طلب الظعينة وأخبرهما أنهما يجدانها في روضة خاخ فكان ذلك كذلك فتهدداها حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا حاطب بن أبي بلتعة فقال له ما هذا؟ فقال يا رسول الله إني لم أكفر بعد إيماني ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد أحمي بها أهلي ومالي فقال - صلى الله عليه وسلم - (( صدقكم خلوا سبيله ) )واستأذن عمر في قتله فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال (( وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم ) )وأنزل الله في ذلك صدر سورة الممتحنة فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} "الممتحنة: من الآية1"الآيات فدخل حاطب في المخاطبة
اسم الإيمان ووصفه به وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على إرادته مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع من موالاة وأنه أبلغ بالمودة فإن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل لكن قوله (( صدقكم خلوا سبيله ) )ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله غير شاك ولامرتاب وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي ولو كفر لما قيل خلوا سبيله لا يقال قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ) هو المانع من تكفيره لإنا نقول لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من لحاق الكفر وأحكامه فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} "لمائدة: من الآية5"وقوله تعالى {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} "لأنعام: من الآية88"