فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 31

(فصل)

(المسألة الخامسة) قول السائل: والهجر هل هو في حق الكافر أو المسلم؟ وإذا كان في حق المسلم العاصي فما القدر الذي ينبغي أن يهجر لأجله؟ وهل يفرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان؟ وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(والجواب) أن نقول: اعلم يا أخي أولا أن الهجر إن لم يقصد به الإنسان بيان الحق و، وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحًا، وإذا غلظ في ذم بدعه أو معصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد، ليحذرها العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها. وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان، لا التشفي والانتقام، كما هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه الثلاثة الذين خلفوا لما جاء المتخلفون من الغزاة يعتذرون ويحلفون، وكانوا يكذبون، وهؤلاء الثلاثة صدقوا وعوقبوا بالهجر، ثم تاب الله عليهم ببركة الصدق.

إذا تحققت هذا فالهجر المشروع إنما هو في حق العصاة والمذنبين لا في حق الكافر فإن عقوبته على كفره أعظم من الهجر، وهجر العصاة المذنبين من أهل الإسلام إنما هو على وجه التأديب فيراعى في الهجر أو الترك منا سيأتي بيانه.

وهذه المسألة قد كفانا الجواب عنها شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه فقال: الهجر الشرعي نوعان أحدهما بمعنى الترك للمنكرات و الثاني بمعنى العقوبة عليها فالأول هو المذكور في قوله تعالى {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} "الأنعام:68" {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} "النساء: من الآية140"يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم وأمثال ذلك بخلاف من حضر عندهم

دعاة البدع وما يعاملون به

للإنكار عليهم أو حضر بغير اختياره ولهذا يقال حاضر المنكر كفاعله وفى الحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات كما قال - صلى الله عليه وسلم - المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان فانه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به ومن هذا قوله تعالى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} "المدثر:5"النوع الثاني الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها كما هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر ولم يهجر من أظهر الخير، وان كان منافقا فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت