ثم ذكر (المسألة الثانية) أي لبس المبرقعات والمصبغات والصوف إلى آخرها وهذه المسألة ليس النزاع فيها فلا حاجة إلى ذكرها هنا فذكر رحمه الله أن هذه استحباب طائفة من المتأخرين وأما أكثر الأئمة فإنهم لا يستحبون ذلك بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة وبثوب الشهرة وقد أعاذ الله شيخ الإسلام من التناقض في أقواله وأن ذلك لا يليق بإمامته وجلالته ومكانته من العلم ثم تأمل ما تركه هؤلاء وحذفوه من كلام ابن وضاح حيث ذكر أن استحباب الرسم بالذؤابة لذوي الولايات والمناصب والمشار إليهم من أهل العلم ليكون شعارًا لهم. ولا يستحب ذلك لآحاد الناس. فذكر أن هذا خاص بهؤلاء وأنه لا يستحب لآحاد الناس ثم أخذوا المعنى مما حذفوه وجعلوه رسمًا وشعارًا لكل أحد ممن يدخل في هذا الدين وإن لم يكونوا من أهل الولايات والمناصب والعلماء والخطباء فلم يتقيدوا بما ذكره أهل العلم من المتأخرين وإن كان مرجوحًا ولم يقتدوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسائر العرب في لبساهم من الأردية والعمائم الساترة لجميع الرأس وكونها محنكة بل جعلوا مكان ذلك عصائب وجعلوا لها ذؤابة وظنوا أنهم قد أخذوا بالسنة في ذلك وليس هذا من السنة في شيء وقد تبين لك أن شيخ الإسلام ابن تيميه مع أكثر الأئمة لا يستحبون هذا الزي وهذا الشعار بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة وتبين لك أيضًا من سياق الأحاديث وكلام العلماء أن هذا في إرسال الذؤابة لا في مشروعية العمامة لأنه كان من المعلوم عندهم أن لبس العمائم من عادة العرب في الجاهلية والإسلام وليست شعارًا لأهل الولايات والمنصاب والمشار إليهم من أهل العلم وإنما الشعار الخاص بهم الرسم بالذؤابة فقط.
(فصل)
وأما قوله قال في الإقناع وشرحه إلى آخره ما نقل. فهذا كله ليس من كلام شيخ الإسلام الذي نقله المنقور وفيه تحنيك العمامة إلى آخر ما ذكر عن ابن مفلح وهؤلاء لا يحنكون العصائب وقد ذكر أهل العلم أن تحنيك العمائم مسنون لأن عمائم المسلمين كانت كذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تقدم ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيميه في إقتضاء الصراط المستقيم أنه قال قال الميموني رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه ويكره غير ذلك وقال العرب أعمتها تحت أذقانها. وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد يكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك كراهة شديدة وقال إنما يتعمم بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس انتهى.
فتبين لك من صنيع هؤلاء أنه لو كان المقصود منهم الإقتداء
كلام النووي في مقدار عمامة النبي (- صلى الله عليه وسلم -)
برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هديه في لباسه ليفعلوا كما فعل ولم يبتدعوا زيًا وشعارًا يخالف هديه. وقال (صديق بن حسن) في الجلد الأخير من كتابه (الدين الخالص) في النهي عن التشبه بالكفار في زيهم ولباسهم قال وعن ركانه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (( فرق بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس ) )رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب بإسناده ليس بالقائم انتهى وفيه دلالة على أن الكفار والمشركين يستعملون العمائم بلا قلنسوة