أحوالها، ثم يرجع إلى مهاجره ليس من نيته التعرب بعد الهجرة، ولا رغبة عن الإسلام وأهله، فلا يدخل في الوعيد. وقد اعتزل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - أيام الفتنة التي كانت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما - في قصر له في البادية فقيل له في ذلك فقال شعرًا:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا قال له أحد منهم: إنك تعربت بعد الهجرة وتركت دار الهجرة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أذن في مثل هذا كما هو مذكور في محله في غير هذا الموضع.
وهذا الذي ذكرناه عن بعض الإخوان لم يكن منا رجمًا بالغيب بل قد جاءوا إلينا وسألوا الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف عن هذه المسائل وعن هذه العصائب بخصوصها فأخبرهم أنها ليست من السنة في شيء وإنما هي من العادات الطبيعية، لا من العبادات الدينية الشرعية، وأغلظ لهم القول لما سألوه عن بعض هذه المسائل وأمرهم أن يعلموا أصل دينهم الذي يدخلهم الله بالجنة وينجيهم به من النار فإذا تمكن هذا الدين من قلوبهم فالجواب عن هذه المسائل وغيرها ممكن سهل وقد نفع الله به كثيرًًا من الإخوان الداخلين في هذا الدين فانزجروا عن تلك الورطات، التي من سلكها أفضت به إلى مفاوز الهلكات، ولولا ما دفع الله بأغلاظه لهم عنها لاتسع الخرق على الراقع فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
(فصل)
ولما انتهينا إلى هذا الموضع من تسويد هذه الأوراق قدم إلينا بعض الإخوان وافدًا إلى الإمام ومعه ورقة في فضل العمامة يزعم أنها من كلام شيخ الإسلام ابن تيميه - قدس الله روحه - فلما تأملتها لم أجد فيها من كلام شيخ الإسلام لفظًا صريحًا إلا ما نقله شارح الإقناع عن شيخ الإسلام أن قال: إطالتها - أي الذؤابة - بلا إسبال. وإن أرخى طرفها بين كتفيه فحسن - فإن كان فيها شيء من كلام شيخ الإسلام فهو لم يبينه ولم يفصله عن غيره حتى يعلم ذلك ونحن نبين أن شاء الله تعالى ما في هذا الكلام من الخطأ وما يناقضه من كلام شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله وقدس روحه وهذا نص ما نقله في هذه الورقة قال فيها:
(فائدة) في فضل العمامة من كلام شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى وقدس روحه في أن الإقتداء بأفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأمور المشروعة مقرر في علم الأصول لا سيما فيما يظهر فيه قصد القربة كما ورد في إرسال الذؤابة في الحديث الذي رواه مسلم عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه.
(والجواب) عن هذا من وجوه