أيام حضارتهم في تلك القرون ولكن لم يجعلوها شعارًا دينيًا.] ولم يكن من عادتهم لبس المحارم والغتر والمشالح والعبي كما هو لبس العرب اليوم من الحاضرة والبادية.
(الوجه الثاني) أن هذه العصائب على المحارم والغتر والشمغ وغيرها التي يسمونها العمائم أن كان المقصود بجعلها على الرؤوس وعلى المحارم الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في لباسه فهذه لم تكن هي العمائم التي كان يلبسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسائر العرب يلبسونها بل تلك كانت لجميع الرأس وعلى القلانس كما قال - صلى الله عليه وسلم - (( فرق ما بيننا وبين الأعاجم على القلانس ) )والقلنسوة هي الطاقية في عرفنا وعادة العرب في العمامة أنهم يجعلونها محنكة فلأي شيء لم يقتدوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا اللباس على هذا الوضع إن كان المقصود الاقتداء به.
(الوجه الثالث) أن يقال لمن أحدث هذه العصائب لو كانت هي العمائم المعروفة على ما وصفنا: ما وجه تخصيص هذه العمائم بالسنية من بين سائر لباس النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأردية والقمص والسراويل [أخذ المؤلف هذا من كتاب الهدى للعلامة ابن القيم كما تقدم وأنه نسب فيه إلى اللهو كما قال أبو عبد الله الحجازي في حاشيته على الشفاء والخطب سهل.] والأزر وغيرها وكان اللائق بالمقتدى أن يلبس جميع ما يلبسه - صلى الله عليه وسلم - ولا يجعل بعضه مسنونًا وبعضه مهجورًا متروكًا.
(الوجه الرابع) أنه لما أحدث بعض الفقهاء من الحنابلة وغيرهم شعارًا يتمتيز به المصاب من غيره فيعزى أنكر ذلك المحققون من أهل العلم الذين لهم قدم صدق في العالمين كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في عدة الصابرين: وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبًا يعرف به قالوا لأن التعزية سنة وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يغزى ففيه نظر وأنكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك ولا نقل هذا القول وقد كره إسحاق بن راهويه أن يترك الرجل لبس ما عادته شيئًا من زيهم قبل المصيبة ولا يتركون ما كانوا يفعلونه، فهذا مناف للصبر والله أعلم.
فتبين مما ذكره ابن القيم إن إحداث هذا الشعار عند المصيبة لم يكن السلف يفعلون شيئًا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين فكذلك هذه العصائب المحدثة التي زعموا أنه يتميز بها من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه أحداث شعار في الإسلام لم يفعله الصحابة ولا التابعون من بعدهم من العلماء ومن زعم ذلك فعليه الدليل وليبين لنا من ذكره من العلماء في أي زمان وفي أي كتاب وفي أي باب من أبواب العلم؟
(الوجه الخامس) أن لبس العمائم والأردية والأزر وغيرها هو من العادات التي هي من قسيم [في الأصل قسيم بالياء وقد تكرر هذا فيه ولعله من سهو الناسخ فالقسم من الشيء الجزء منه وقسيم الشيء مقابله الذي يدخل معه في مقسم واحد فكل من الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح قسم للآخر، والعادات المذكورة من قسم المباح الذي هو قسيم الواجب وغيره من الأحكام الخمسة.] المباحات التي لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها لا من قسيم العبادات كالسنن التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها وقد أنكر