وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا) إشارة إلى سرعة تقلب الرأي عند القدوة في الإيمان والكفر؛ وقد جاء عند ابن أبي شيبة من حديث خيثمة عن عبد الله بن عمرو قال: (يأتي على الناس زمان يجتمعون في المساجد ليس فيهم مؤمن) ، وإسناده صحيح عن عبد الله بن عمرو عليه رضوان الله تعالى، وله حكم الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويظهر هذا في مسألة الاضطراب حتى عند أهل العلم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو السابق في قوله: (إن الله لا يقبض انتزاعًا ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق) ، فقوله: (حتى) إشارة إلى الغاية أنه لا يبقى عالم، مما يدل على ورود التدرج شيئًا فشيئًا بنقصان العلم، فيكون حينئذٍ الجهل والعلم بينهما مغالبة ومدافعة. والسنة عند ورود الاشتباه أن يبرز العلماء للناس ليبينوا الحق، وأن يزاحموا الباطل، وقد روى البخاري من حديث عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار (أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن حزم قال: انظروا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوها، فإني خشيت دروس العلم وذهاب العلماء) . ثم قال عليه رحمة الله: (وليجلس في العلم حتى يعلم من لم يعلم، فإن العلم لا يذهب حتى يكون سرًا) ؛ ولهذا العالم الذي يلزم داره ولا يبرز للناس هو من أسباب فشو الجهل، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالطة الناس، وإظهار المعروف فيهم. ويظهر أيضًا هذا في مسألة تقلب العلم عند أهل العلم، والتقلب والتردد في الرأي كما ما جاء في البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني عن حذيفة بن اليمان قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.