ولقد أنزل الله جل وعلا كتابه على نبيه عليه الصلاة والسلام، وأنزل معه سنته؛ ولهذا كان الكتاب والسنة وحيين منزلين من الله جل وعلا، فالسنة موصوفة بالإنزال كالقرآن؛ والله جل وعلا في كتابه العظيم أخبر عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلاغه لأمته: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3 - 4] يعني: كلام النبي عليه الصلاة والسلام وفعله، وتقريره لما يفعله أصحابه بالسكوت بعلامة رضًا، أي: أنه من رضا الله جل وعلا. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى طاعة نبيه عليه الصلاة والسلام، وقرنها بطاعته جل وعلا في ثلاثين موضعًا من كتابه العظيم، وجاء الأمر بذلك أيضًا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان الإسناد في الدين لا يقف عند محمد صلى الله عليه وسلم، كما روى الخطيب البغدادي في كتابه"الكفاية"من حديث أحمد بن زيد بن هارون أنه قال: (إنما هو وحي الله جل وعلا وشريعته الكاملة، إنما هو صالح عن صالح، وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله، ورسول الله عن جبريل، وجبريل عن الله) ، فهذه الشريعة كلها من الله سبحانه وتعالى، ومن قدح في السنة بالجملة فهو قادح بالقرآن؛ ولهذا السنة هي قسيمة للقرآن وموضحة ومبينة له. ومن أراد أن يفهم الشريعة على وجهها فعليه أن يقرن مع القرآن السنة، وإلا قد وقع في كثير من الضلال والغي، وقد وقع في الأزمنة المتأخرة كثير من أهل الضلال والفتنة والشر والجهل على تنوع صنوفهم، وكثرة حججهم في التملص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجج واهية، اتباعًا لمشارب وأهواء، وطمعًا في الوصول إلى غايات، وإشباع النزوات، سواء نزوات نفسية، أو غير نفسية، وكل هذا قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.