قال: وسئل المعافي بن عمران: «أي شيء أحب إليك، أن أصلي أو أن أكتب الحديث؟ قال: كتاب حديث واحد، أحب إلي من صلاة ليلة» .
وذكر الشيخ أبو عمر الطلمنكي «عن أبي هريرة، وأبي ذر رضي الله عنهما قال: باب من العلم تتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا» .
وقالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال، مات وهو شهيد» .
(سؤال)
ظاهر هذه الآثار يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عن أفضل الأعمال: «الصلاة لأوّل ميقاتها» .
جوابه:
إن ذلك إنما هو في الفرائض.
قال ابن رشد: «وأما النوافل فطلب العلم أفضل منها» .
قال: «وسئل مالك عن القوم يتذاكرون الفقه، القعود في ذلك أحب إليك أم الصلاة؟ فقال: بل الصلاة» .
«وروي عنه أنه قال: «إن العناية بالعلم أفضل» . قال: وليس ذلك عندي اختلافا من قوله، لأن طلب العلم أفضل (من الصلاة) لمن ترجى إمامته، والصلاة أفضل من طلب العلم لمن ليس كذلك إذا علم ما يلزمه في خاصة نفسه، وقال سحنون: «يلزمه أثقلهما» » انتهى ملخصا.
وأما ما يدل على أنه أفضل من الجهاد فكذلك أيضا على وجوه:
أحدها: ما نقل عن السلف الصالح أن طلب العلم جهاد في نفسه، ويزيد على الجهاد بفضائل لا يزاحمه في أدنى رتبة من رتبها.
«فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص في عقله ورأيه» .
«وعن بعضهم قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن الجهاد قال: ألا أدلك على خير الجهاد؟ فقلت: بلى. قال: تبني مسجدا وتعلم فيه الفرائض والسنة والفقه في الدين» .
وعن «أبي الدرداء أيضا رضي الله عنه قال: ما من أحد يغدو إلى المسجد لخير يتعلمه أو يعلمه إلا كتب له أجر مجاهد، لا ينقلب إلا غانما» .
وفي «الموطأ» عن أبي بكر بن عبد الرحمن: «من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره، ليتعلم خيرا أو يعلمه، ثم رجع إلى بيته، كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما» .
قال الأستاذ أبو سعيد: «وهذا المعنى أصله من الحديث المرفوع، ما خرجه الترمذي أن بعثا بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل «نجد» فغنموا غنائم كثيرة، وأسرعوا الرجعة، فقال رجل ممن لم يخرج: ما رأينا بعثا أسرع رجعة، ولا أفضل غنيمة من هذا البعث، فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة وأسرع رجعة، قوم شهدوا صلاة الصبح، ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس فأولئك أسرع رجعة وأفضل غنيمة» .