(الفضيلة السادسة)
ما عرف به قوله تعالى في معرض المنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} .
قال القرافي: «عادة العرب في سياق الامتنان تأخير الأفضل، وتقديم المفضول فتكون موهبته عليه الصلاة والسلام من العلم أفضل من موهبته من الإنزال المتضمن للنبوة والرسالة» .
قال: «وهذا شرف عظيم، شبّ فيه عمرو عن الطّوق» .
قلت: يرشحه قول الإمام فخر الدين: «وانظر إلى حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كيف منّ الله تعالى عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنى} . فقدم الامتنان بالعلم قبل الامتنان بالمال.
وقال تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} .
وقال: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ} .
ثم إنه أول ما أوحي إليه قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى قوله: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .
ثم قال: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} . وهو عليه السلام كان أبدا يقول: «أرنا الأشياء كما هي» . انتهى المقصود منه.
قلت: وأمره مع ذلك بطلب المزيد من العلم، فقال له عز وجل: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ، وكل ذلك من أوضح دليل على شرف العلم.