فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 156

{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140)}

(فائدة)

مما لا يعد جدالا بغير الحق نصر المذاكر نقيض ما يعتقده، واحتجاجه بخلاف ما يراه في المسألة المنظور فيها لقصده بذلك أحد أمرين: تصحيح ما يراه بانجلاء المناظرة عن بطلان نقيضه، أو اختيار من يناظره، هل يوفي بإبطال ذلك النقيض، وحينئذ فيعلم أنه على يقين مما يعتقد هو في نفسه، والأعمال بالنيات.

وقد سمعت شيخنا العلامة المحقق «أبا إسحاق ابن فتوح» رحمه الله غير مرة «يحكي عن الأستاذ المحقق «أبي جعفر القصّار» أنه كان كثيرا ما يسلك هذا المسلك في مذاكرته»، وهو مقصد نبيل إذا كان مع أهله، ومن تؤمن معه غائلة النسبة إلى المراء واللجاج، وقد يقع بعد ذلك الإفصاح بالموافقة والرجوع إلى الصواب، فيرتفع الخلاف، ويطوى بساطه.

ومن أطرف ما يحكى من ذلك: «ما ذكروا أن قريشا استثقلت، وضاقت من خبر أبي الفرج البرهاني. وكان أبو الفرج قد اختطب على اثنين وسبعين منبرا في الجاهلية والإسلام.

قيل: وكان رجلا جسيما، بليغا، فصيحا، ناطقا، ذرب اللسان، فصيح البيان، ربيط الجنان، عارفا بالصواب، متماسكا بحصافة، ذا عقل، ورأي، وأدب، فبلغ ذلك قريشا. فبلغ منهم مشقة شديدة، فأتت إلى «ابن الرويزي» ، وكان من أهل المعرفة بالعرب، ومن ذوي اللسان فيهم، فقالوا له:

يا رويزي، إن أبا الفرج متشايع في احتجاج اليمن، كلف بقومه، والقول فيهم أكثر مما وجب لهم، وما لم يكونوا أهله، ولا بلغوه عن أب وجد، فهل لنا منك عوض حتى تغصّه بريقه وتشجيه. قال: نعم. فاجتمعوا وأجمعوني معه، ثم استمعوا ما أستقبله به، لأتركنّه يعرف الغضب في أنفه، فانصرفوا وأعدوا لذلك مجلسا.

قيل: فلما احتفل مجلسهم أرسلوا إلى أبي الفرج فجلس، وقام الرّويزي فقال: يا أبا الفرج، إن «معدّا» هي الناس.

قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} . والدولة هي الدين. فهم الناس، وهم من ولد إسماعيل. فنحن الناس ومحمد صلى الله عليه وسلم منّا، فقام أبو الفرج، فحمد الله وأثنى عليه، وصّلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: ما لك ولهذا يا رويزي؟!.

أما والله إنه لخاتم النبيين، وسراج المتقين، ورسول رب العالمين، ولكن يقول وقوله الحق، {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} . ثم قال: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} . ثم قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} . فأنتم أولئك فما تقولون يا رويزي؟ أما تعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الأسود، والأبيض، والحر، والعبد، والذّكر، والأنثى، والصغير، والكبير، والجن، والإنس إليهم كافة، فكان أحب إليه من أجاب وأناب، وسمع، وأطاع، فدعانا ودعاكم فأجبنا، وأبيتم، وأسلمنا، وكفرتم، ونصرنا، وحاربتم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت