الفضيلة الثامنة:
ما أعلم به قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} من الدلالة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق، وخصوصا هذا النوع من الحق، وهو الأصول والعقائد
قال الإمام فخر الدين: «ثم خذ من أول الأمر فإنه سبحانه لما قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} .
وقالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} قال سبحانه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
فأجابهم بكونه سبحانه عالما، فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة، والسمع والبصر، والوجوب، والقدم، والاستغناء عن المكان، والجهة، جوابا لهم، موجبا لسكوتهم، وإنما جعل صفة العلم جوابا لهم، وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال، وإن كانت بأسرها، في نهاية الشرف، إلا أن صفة العلم أشرف، ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم بالعلم، وذلك يدل على أن العلم أشرف من غيره، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أظهر علمه جعله مسجودا لملائكة أو خليفة العالم السفلي، وذلك يدل على أن تلك المرتبة إنما استحقها آدم بالعلم، ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس، والافتخار
بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم، وإلا فهما بدونه نفاق، والنفاق أخس المراتب، أو تقليد، والتقليد مذموم، فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما كان موجبا للافتخار ببركة العلم، ثم إن آدم عليه السلام إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ في مسألة واحدة اجتهادية، ولأجل هذا الخطأ القليل، وقع فيما وقع فيه، والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر، كان أشرف، وذلك يدل على غاية جلالة العلم، ثم إنه ببركة العلم لما تاب، وأناب، وترك الإصرار وجد خلعة الاجتباء. ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم على ما قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا} .
ثم انتقل من الكوكب إلى القمر، ومن القمر إلى الشمس، ولم يزل ينتقل بفكره من شيء إلى شيء، إلى أن وصل بالدليل الزاهر، والبرهان الباهر إلى المقصود، وأعرض عن الشرك فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} .
فلما وصل إلى هذا المقام مدحه الله تعالى: بأشرف المدائح، وعظمه على أتم الوجوه فقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} .
ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ من معرفة المبدأ اشتغل بمعرفة المعاد، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى}
ثم لما فرغ من التعليم، اشتغل بالتعليم، والمحاجة، تارة مع أبيه، وتارة مع قومه: {مَا هَذِهِ}
{التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} وأخرى مع ملك زمانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} .
وانظر إلى صالح، وهود، وشعيب عليهم السلام كيف كان اشتغالهم في أوائل أمورهم وأواخرها بالتعلم والتعليم، وإرشاد الخلق إلى النظر، والتفكر في الدلائل، وكذلك أحوال موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده، ووجوه دلائله معه.
ثم انظر إلى حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر ما تقدم عنه في الفضيلة السادسة».